فهرس الكتاب
باب، فاعلم أنه صاحب هوى وشهوة، لا رجل دين وتقوى، وإن رأيته وقّافًا عند حدود الله مع المؤمنين، علمت أنه مهدي القلب سليم العقل والدين.
والقصد أن الجهاد لا يكون إلا بعد الكلمة؛ فإن الله تعالى في كتابه كرّر مرارًا وصف رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالبشير النَّذير، وفصَّل هذا تفصيلًا تامًا جليًا، وجعل بشارته لعموم الناس وكذلك نذارته، فقال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} .
وفصّل في مواطن أن بشارته للمؤمنين ونذارته للكافرين فقال تعالى: {قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا} ، وقال بعدها وهي في سورة الكهف: {وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} ، وأنذر وبشّر المؤمنين في قوله تعالى في سورة الأعراف: {إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} وتكاد تحصر مهمة الأنبياء في هذا الأمر مع الشهادة على الخلق كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} ، وكل عمل آخر إنما هو خادم لهذا الحق العظيم؛ ذلك لأن ربنا جل في علاه يحب الإعذار، كما قال سبحانه وتعالى: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} ، وهذا كله يدل على عِظم الكلمة، وأنها المقصودة أصالة في عمل الأنبياء وأتباعهم، فمن أخّرها فقد أخّر ما أمر الله تقديمه.
ومن تأمَّل الكلمات المحيطة بهذا الدين وجدها كلها تعود إلى الكلمة؛ فالنبوّة من الإنباء، ولا يكون الإنباء إلا بها، كما أن الوحي كذلك، هو إنباء بخفاء، وكذلك الرسالة لا تكون إلا بالكلمة، ومنها الرسول، والقرآن من القراءة، وكذلك الكتاب، وفيهما حالة الكلمة في الوجود؛ أي مكتوبة ومقروءة، ولذلك كان أول أمر رباني لرسوله بقوله: {اقْرَأْ} ، وما يُفرض بعد هذه الأداة الأصلية من أدوات -كالحديد والسلاح- في تبليغ الدين لا يكون استقلالًا في كتاب الله تعالى، بل يكون معها بل بعدها كما تقدَّم، كما قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ