فهرس الكتاب
وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ؛ فلا بد من كتاب وميزان.
والميزان هو الحكمة، كما جاء تفسيره في آيات كثيرة، هذا في الدعوة، وهو زائد عليها في القضاء وفضّ الخصومات وقيام الحقوق؛ فمن استقلّ عنده أمر الحديد بلا هداية القرآن، فهو ضال مجرم سافك للدم الحرام، وفساده أكثر من صلاحه، هذا إن كان عنده صلاح.
ولذلك كان من تحنُّن الصالحين لربهم وهم يسألونه مطالبهم في الإعانة أن جعلوا عِلَّة هذا الطلب أن يقوموا بعبادته على الوجه الذي يحبه منهم؛ فتأمل قول موسى عليه السلام، وهو الرجل الشديد الأزر، يقول لربه تعالى وهو يسأله معونة أخيه هارون: {وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا} وهو يطلبه لإعانته على أداء الكلمة على الوجه التام الذي يحقق القبول وإقامة الحجة، كما قال تعالى عنه عليه السلام: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي} وذلك لشعوره عليه السلام بحاجته لذلك كما قال تعالى: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي} .
وهذا كله تعليم لهذه الأمة دور الكلمة وأهميتها في الوجود، لا يهملها إلا جاهل، ولا يعرض عن تعلُّمها والقيام بشأنها إلا خاسر لمعركة الحياة بين الحق والباطل، ومن يؤخّرها كان أشبه بالطواغيت، يريد سوق الناس بالخوف والقهر، لا بالحب الذي عاشت به مدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، حتى أحبتهم الجبال فيها كما قال - صلى الله عليه وسلم: (أُحد جبل يحبنا ونحبه) ، والكلمة الموصِلة للمراد لها شروطها القلبية واللسانية، ومن موافقة الحال للمقال، وغير ذلك مما هو معروف لأهل العلم في هذا الباب.
إن تبيّن هذا لطالب رضا الله تعالى، علِم -وهو يراقب صوت الرصاص والقتال وجعجعة السلاح اليوم بين المجاهدين في سبيل الله تعالى وبين المرتدين والزنادقة- أن هذا الجهاد بحاجة إلى كلمة الحق والهدى والنور، وهو أحوج ما يكون إلى