فهرس الكتاب
ولا يمكن لهذا العالم أن يصلح واقعنا، ولا أن يعيننا على إصلاحه .. وبالتالي: أي توجه للغرب، أو لغير قوانا الداخلية لإصلاح الجزئي، هو مفسدة قدرية، مبعثها الجهل بأسباب فسادنا.
ثم يأتي جهلهم مرة أخرى حين تعمى أبصارهم عن رؤية النهايات التي بها يتم صلاح الواقع؛ فالداعمون للرؤية القُطرية لا يعلمون اتصال فساد بلادهم بكل بلاد المسلمين، ولذلك كل ذهاب إلى الإصلاح الداخلي دون إصلاح الشرايين والأوردة المتصلة بكل عالم الإسلام هو وهم!
أجلى قضية في هذا الباب هي القضية الفلسطينية، وهي أوضح في موضوعها؛ كون الغازي والمفسد أجنبي طارئ. ومع ذلك كان كل ذهاب الى هذه القضية بعيدًا عن الرؤية العامة للجهاد، والتي تقوم على النظر أن القضية الفلسطينية هي مظهر المرض وعوارضه لا نفسه، وأما المرض فهو بالنظر إلى عموم الجسد المسلم، والى أهمية الاعتناء بكل الشرايين والأوردة التي تتعامل معه .. ولذلك لا يمكن حل هذه القضية إلا من خلال عموم الأمة، وكذلك النظر إلى عموم قضاياها.
النظر الى قضايا الجهاد الحادثة دون التعامل معها أنها جزء من الهمّ الإسلامي كلّه؛ هو وضع الجزئي في حالة إزالة للكلي!
ويأبى الله إلا أن يجعل ما منّ الله به على الأمة من جهاد إلا حالة أمة عامة، بقدره الذي يغلب اختياراتهم، وبتقديره الذي يغلب رؤاهم التي يلبسونها لباس الفتوى.
لم يكن خطابه - صلى الله عليه وسلم - في غزوة الخندق، وهو يقوم بعمل دفاعي بحت عن المدينة، في قضية فتح كسرى وقيصر لأمر نفسي فقط، بل هو تعليم لهذه الأمة أن ترفع شعار مقاصد الدين الكلية، وطموحاته المبنية على الوعود النبوية .. حتى والمجاهد تحت النار، وحتى وهو يقاتل قتال الدفع!