فهرس الكتاب
ليس هناك منازل يأتيها العابد ثم يتحقق بها، على المعنى الصوفي، ليذهب إلى منزلة أخرى يتربى عليها، بل هو دين الله الذي يأمر بالشكر والتوبة والصبر، كل ذلك في حال واحد، وإنما يأتيها المسلم عند حضور موجبها، ويصيب منها بمقدار تحقق العلم فيه، وبمقدار إقباله على الله.
وقد تأتي عليه في حينٍ واردات الحق من المعاني القلبية ما يفقدها في موقف آخر، وهو كما قال الصديق أبو بكر رضي الله عنه لما جاءه أهل اليمن فقرأ عليهم القرآن فبكوا، فقال: هكذا كنا على زمن رسول الله ثم قست قلوبنا .. وقد قال من فسر هذا اللفظ من الصديق: إن هذا من باب غمط النفس وتواضعه، وهو يخبر عن نفسه وحاله. وهي في ذاتها دليل أن المرء لا يمكن مع ولايته أن يعيش حالة واحدة لا تتغير عليه، بل هو يقرأ القرآن فيبكي حينًا، ثم يبحث عن قلبه في موطن آخر فلا يجده، فيستغفر ويتوب، لإعادة هذا الحال، وهكذا هو بين الطاعة والاستغفار حتى يأتيه اليقين.
انتشار المفهوم الصوفي لمعنى التربية هو الذي جعل بعض الناس يرسم منهجه في التغيير على هذا التصور الباطل؛ فهو يريد قبل قذف الأمة في أتون الفعل أن يحصل لها مرتبة اليقين ومرتبة الولاية، كما يتصورها، فإن وقع من عامل سلوك ما يستوجب الاستغفار والتوبة منه جعله حجة لمنهجه أن الناس استعجلوا الفعل قبل الوصول للولاية المتخيلة.
وهل الجهاد هو من صنع ظاهرة الفرح بقتل المسلمين؟!! فيمر دليلًا أن الناس لم يتربوا بعد!!
والناس يعلمون أن العامل لا بد له من أدران تصيبه خلال سلوكه، وهو لا يجعل هذه الأدران مانعا من العودة لنفس السلوك في اليوم التالي، بل هو يعود من عمله غاسلًا هذه الأدران، ثم يواصل مسيرته.