فهرس الكتاب
أن القضاء على هؤلاء ممكن، وخاصة أنه سيشاركهم أتباعهم وعملاؤهم في هذه الرحلة الخبيثة القذرة، وسيدفعون لهم الأموال ثمن هذه الحرب الصليبية الجديدة.
لم يكن للصحابة أن يجهلوا يد الله وهي تسوق قريشًا ومن معها من قبائل الكفر إلى الخندق، ولم يكن -لعلمهم بسنن الحياة- أن هذه الجماعات لم تكن لتأتي إلا بعد أن علمت أن هذه المدينة صارت خطرًا داهمًا عظيمًا عليها وعلى مصالحها، ولذلك صرخوا صرخة العالم بالغيب، والعالم بسنن الصراع، والعالم بتحوُّل القوى وتغيرات الحياة قائلين: {هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} .
ومع الوعد يكون البلاء، ومع الوعد يكون القبول والشهادة والعطاء والمحنة، كما كانت البشرى لمريم عليها السلام بلاءً عظيمًا لها حتى قالت: {يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا} .
إن المؤمن وإن كان لينبعث في نفسه الألم أن يُغزا ولا يغزو، لكنه يعلم كذلك أنه لن يغزو غيره حتى تتحطَّم جيوش الغزو التي اعتادت لغرورها الغزو، ويقضي على أُسِّ قوتها، فينطلق حينها الصادق: (اليوم نغزوهم ولا يغزونا) ، هكذا هي بإذن الله تعالى الرحيم الغفور.
إن هذا الإعداد والتدبير بين قوى الكفر الداخلي المتمثِّل بالرِّدة والزَّندقة، ومجموع له الكفر الخارجي من أعداء تقليدين، هم الناس كما سماهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ليدل على أن هذا الأمة عِلَّتها من أنفسها، وإن الشر لا يمكن أن يُحقِّق مقاصده فينا إلا من خلال أولياء الشيطان من منافقين وغيرهم، ولذلك وجب رفع راية الإيمان في هذه المعركة؛ إذ بدون هذه الراية لن يتجلَّى موقف هؤلاء المنافقين والمرتدين على حقيقته، ولن يعرف أهل الإسلام حقيقة أعدائهم.
وباب النصر وتحقيق الوعود هو أن تعرف حكم الله في هذا الوجود، وأن تكتشف المؤمن من الكافر، والصادق من المنافق {مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} .