فهرس الكتاب
فلِمَ كان فتحًا بهذا الاعتبار -أي بنفسه هو-؟
والذي عندي، وقد كتبته قديمًا، هو التالي:
لقد كانت الحرب مستعرة بين المدينة بمن فيها من النبي المختار - صلى الله عليه وسلم - والصحابة رضي الله عنهم، وبين العرب وعلى رأسهم قريش، وبالنظر إلى سيرة المعارك التي جرت بينهما؛ يرى المتأمل أن كلها كانت على الوجوه التالية:
إما أنها سرايا ضاربة بسرعة لأطراف القوة المتمثلة بقريش، مثل بدر؛ فهم إنما خرجوا للعير لا للقتال، فكانت العدة والعدد متناسقين مع هذا المعنى، ولكن قدر الله لها أن تجري معركة، لكنها كانت جزئية في السياق العام، وهي وإن كسرت الهيبة لقريش لكنها لم تمسَّ هيكل السلطة المهيمنة لقريش على العرب.
وإما أنها جرت على وفق الهجوم الضارب لتدمير الكيان الناشئ الجديد، فتسير إليه قريش تحت هذا المقصد، كما جرى للأحزاب؛ وذلك لتقدير قريش أنها تملك القوة القادرة على هذا، بل نرى أسلوب الخندق الدفاعي يدل على هذا المعنى في نفس أهل المدينة أنفسهم.
ويمكن وضع معركة أحد بين هذين الأمرين؛ وقريش إنما أرادت الثأر بها، وإن كان يمكن لهم استثمار هذا الثأر لولا عوامل الإيمان والقيادة في إبطال هذا المعنى.
وبالتالي؛ كان هناك قتال بين طائفتين: طائفة تملك السِّيادة والقوة اللازمة لها، وطائفة صاعدة، ونفس الطائفة القائمة تقوم على الغرور وفرض منطقها على محيطها، وهي قادرة على تسيير القبائل معها لما لهم من السلطان عليهم.
كانت هناك مجموعة انتصارات لهذه القوة الصاعدة، تخلَّلتها هنَّات .. هذه الهنات هي من طبيعة الوجود ابتداءً، ومن طبيعة النبوة كذلك، كما في كلام هرقل مع أبي سفيان لما قال لهرقل:"الحرب بيننا سجال، لنا يوم وله يوم".
هذه الانتصارات تجمَّعت واقعًا دافعًا لبقاء الصعود، وهي أفضل من حال من بقي