فهرس الكتاب

الصفحة 597 من 783

قائما مكانه؛ إذ منطق الوجود أن هذا الوقوف هو بذاته خسارة، وهو كذلك بالنسبة لقريش، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - عنهم: (أنهكتهم الحرب) .

كانت غزوة الأحزاب الخيار الأخير لإيقاف الاستنزاف، ولكنه خيار قد فشل، وبمنطق السنن قال - صلى الله عليه وسلم: (الآن نغزوهم ولا يغزونا) ؛ ذلك لأن قريش قد انتهت كقوة ضاربة في محيطها ضد المدينة المنورة.

وهنا لا بد من قضية مهمة، وهي النظر إلى المدينة كوجود فاعل في محيط الجزيرة، وليس فقط في نفسه؛ فهناك عالم يجب مراعاته في قضية غلبة الإسلام كأمة على هذا المحيط كله، وهذا الوجود -ككل مثيل له- يقوم على الغلبة والقهر وعلى التحالف كذلك.

كانت قريش قد فرضت نفسها كغالب على هذا المحيط بقوة، وهي كذلك تقوم بدور السيد لتحالفات هذا المحيط، تمثَّل هذا في غزوة الأحزاب.

كان همّ النبي - صلى الله عليه وسلم - إبعاد قريش عن الواجهة للتفرغ للآخرين، ويأبى الله تعالى إلا أن يكون الضرب والمواجهة لهذا الطاغية الأكبر، لأن الله تعالى يُجري هذا الدين على خير ما يقع من الأقدار، ومراد النبي - صلى الله عليه وسلم - كمراد كل رحيم للعالم من أمته وغيرهم- يريد التفرغ للصغار وترك الكبار حتى يُجنِّب أمته الهلكة في دخولها مع الكبار ابتداءً، لما في ذلك من الخطر على أمته، ولما في الصراع مع الكبار من انشغال يطول لتحقيق النصر.

فلربما قُضي على الصغير في صولة وجولة، ولكن القضاء على الكبير لا يقع إلا بنحت جداره جملة وراء جملة، وغزوة وراء غزوة، حتى ينهك كفخّ الدب تمامًا.

بقي هذا الصعود الإسلامي متطورًا والخصم يعاني الثبات على موقعه، حتى حصل اللقاء في منتصف الطريق: هذا صاعد وهذا ثابت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت