فهرس الكتاب

الصفحة 598 من 783

في داخل الخصم عوامل اهتراء: قريش قد أنهكتها الحرب، لكن هذا الداخل لا بد من أن يتجلَّى ظهورًا على مستوى المحيط والعالم، ولا بد من أن يسمع الناس صوت المرض في هذا الداخل، ولا بد من كشف هذا الاهتراء والضعف.

مظهر هذا كله هو في التحالفات.

كانت المدينة عارية من قوة التحالف على معنى الإمامة، أي بمنطق دخول الضعيف محميًا تحت القوي تحت مسمى التحالف، وقريش تملك هذا كله.

جاء صلح الحديبية ليكشف ما أحدثته المواجهة الطويلة والمتعدِّدة بين المدينة وقريش، وسمع الناس صوت الأنين في داخل الشيخ الهرم: قريش، وتمثَّل هذا بأن أجازت قريش أن ينفك المحيط عنها بعيدًا للتحالف تحت راية جديدة هي المدينة.

هذا هو أعظم الفتح على مستوى الوجود كله؛ إذ ليس كافيًا أن تحقق النصر، بل لا بد من استثماره رصيدًا يُقرّ به الخصم، ويسمح لك بمعادلته في الغلبة والتحالف وهيئة الأمم.

ومن أعجب ما أثمر هذا الفتح -أي هذا الاعتراف- أنه صار في جوَّانيته ونفسيَّته قادرًا أن يخاطب العالم كله بلغة:"أسلم تسلم"، وليس بمجرد لغة الدعوة والبلاغ فقط، ولم يكن هذا ليكون لولا أن تحقَّقت الغلبة على المحيط، وصارت قوة الخصم نازلة بقوة بعامل الزمن فقط، ذلك لأنها أنهكتها الحرب.

لقد فتح لهم الباب ليدخل الناس في حلفه، وفتح لهم العالم ليخاطبوه بمنطق القوة، وقبلها تمَّ فتح النفوس أنهم بلغوا في بنائها أنهم لا يهابون أحدًا؛ فليست عندهم قريش بشيء، ولولا دافع القدر كما قال تعالى: {وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ} لكانت كعصف مأكول تحت أرجلهم.

تحت هذا المقصد الكلي من بناء المدينة العظيمة التي ستأكل المدن، وتحت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت