فهرس الكتاب
المجاهد، والذي يبذل روحه في سبيل كلمة الحق. وهي صورة تكاد تزول إلا من قلة تضيء بين حين وآخر، وها أنتم تعيدون هذه الصورة العظيمة.
وإن وجودكم في أرض الجهاد واجتماعكم فيه لتحقيق مؤسسة العلم المستقلة، تلك السلطة التي بلعها الحكام، حتى إذا ذهب الحاكم المسلم صاروا إلى بطن الحاكم المرتد والكافر، وبذهاب هذه السلطة العظيمة والمستقلة وذوبانها في سلطان الحاكم ما أدى إلى انهيار مفهوم الأمة؛ فإن هذه الأمة المسلمة قوام أمرها بسلطان العلماء كما يعلم هذا كل دارس لتاريخ هذه الأمة، وهو بناء القرآن والسنة ولا شك. وقد حاول المنازعون لسلطان العلماء إذابة هذه السلطة أو تجييرها لسلطانهم، وقد نجحوا نجاحًا قويًا كما يشهد لذلك الواقع اليوم، حتى صار الناس لا يعرفون العالم إلا من قدّم من خلالهم وإعلامهم وتزكيتهم، وإن المحاولات التي أرادها آخرون لإظهار مؤسسات علم أخرى بعيدًا عن سلطة الحكام كانت في عمومها خادمة لمناهج أو تنظيمات خاصة، وفي عمومها لم تخرج عن دعم الحكومات وتبنيها وتزويقها.
وإنكم تعلمون أن من مهمات المصلحين اليوم إعادة سلطة العلم، بل لا يمكن للأمة أن تحقق النهضة، ولا أن تسعى سعيًا صحيًا لها بلا أمراض إلا أن يقودها العلماء الصالحون الصادقون، وأرجو أن تكونوا طلائع هذه السلطة الإيمانية والتي قال الله عز وجل فيها عن يحيى عليه السلام: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} .
أيها المشايخ الفضلاء:
إن المهمة اليوم عليكم عظيمة ثقيلة؛ فهذا جهاد أمة استفاقت من غفوة طويلة، بل لو قلنا من موت لما أبعدنا الوصف والحقيقة، وهي استفاقة عواطف أكثر من وعي، واستفاقة نفس أكثر من عقل وعلم، وبسبب هذا سيكون هذا الجسم أكثر عرضة للأمراض وعوارض الضعف والاختلاط. وأنتم دون سواكم الأقدر على تجلية الحقائق الإيمانية، والإجابة على أسئلة النوازل العظيمة؛ وذلك لثقة الناس بكم، حيث نفرتم بأنفسكم إلى مواطن الموت والتضحية، ولقربكم من الواقع وشهودكم له.