فهذا جزء من الحكم الشرعي؛ بمعنى أن تنظر: هل فعل الفاعل هذا الفعل بإرادة مستقلة؟ فإذا نشأ الفعل بإرادة مستقلّة تامة، فحينئذ يُنسب إليه الفعل، وإذا لم ينشأ الفعل من هذه الإرادة، لأي سبب من الأسباب التي سنبيّنها، فحينئذ علينا أن ننفي هذا الفعل عن الفاعل.
نأتي إلى الإرادة:
الإرادة تتكوّن بالعلم؛ لا يمكن للمرء أن يفعل فعلًا بلا علم، العلم هو منشأ الإرادة، ثم بعد ذلك قوة الدافع.
يعني: قد يعلم المرء هذا الفعل فيأتي إليه، وإذا أتى إليه من غير علم دلَّ على أنه لا يتصوّره ولا يعرفه، ولا يمكن تصوّر أن ينشأ الفعل منسوبًا إلى الفاعل على الحقيقة بلا علم؛ لأنه إذا نشأ بلا علم دلَّ على خلوّ حكم الإرادة المُنشئة لهذا الفعل.
الإرادة بمفهومها العام قبل التحديدات الشرعية؛ أن المرء يريد أن يأكل، فهو يعلم أنَّ الطعام هو الذي يردّ عنه الجوع الذي يعاني منه أو الطعام الذي يحصّل له القوّة، فهذا من العلم، ويعلم كذلك أن هذا طعام، ويعلم أن هذا الطعام اسمه كذا إلى آخره، وأنه حلال له إلى غير ذلك.
الشيء الثاني: قوّة الدافع.
المقصود ليس فقط ما الذي يريده ولكن ما الذي أنشأه .. لا أريد أن أستعجل، ولكن هذا هو الأصل.
كذلك قوّة الدافع؛ قوّة الدافع هي شهوته أو هي حاجته، وتنشأ بقوة الصبر والشكر؛ قوّة الصبر لاحتمال العاقبة، وشكر الفاعل على النعمة التي أعطيت له.
إذًا: الإرادة هي التي يُعلَّق بها الحكم على الفعل؛ فإذا خلت الإرادة لا ينبغي أن يُنسب الفعل إلى الفاعل، وإن وقعت منه على ظاهرها.