وأما القول: إنه أشعري المذهب؛ فماذا في ذلك إن صح؟! وهل هذا المذهب -فيما يفقه عموم الناس، وما يفقهه أمثال ملكٍ كصلاح الدين- إلا الدفاع عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمهات المؤمنين، وأن ألفاظه العامة هي أقوال أهل السنة دون التفصيلات التي لا يخوض فيها إلا علماء هذا المذهب.
فمثلًا: يقول الأشعري: إن القرآن كلام الله تعالى؛ وهذا كافٍ لدى العامي كصلاح الدين، وأما ما وراء ذلك من التفصيل -وهو غلط ولا شك- فلا ينشط لفهمه إلا أهل العلم في هذا المذهب.
ثم إن السني في هذا الوقت هو من جعل الخطبة للخليفة العباسي دون العبيدي القابع في مصر، وكان هذا ما يفهمه الناس يومها من التفريق بين سني وفاطمي كما يقولون، وهم العبيديون الزنادقة.
وأنا أبين لك أمرًا مهمًا تعرف كيفية الحكم على الرجال والناس:
أخي الحبيب: أنت تعلم أن الناس إما أهل إرادة وإما أهل علم، وقد يجتمع الأمران في الرجل، كما كان الشأن زمن الصحابة؛ إذ جمع الخلفاء الأمرين، أي العلم والإرادة. ثم حصل الافتراق؛ إذ صار ناس هم أهل إرادات، كالحاكم والمجاهدين وأهل الفعل والإدارة، وإما علماء يكون العلم شأنهم، يخوضون في مهماته وفروعه ودقائقه.
فالواجب هو الحكم على الرجل فيما هو فيه من إتقان، أصاحب علم هذا أم إرادة، ولا يحكم على الرجل الذي فرغ لأمر الإرادات -كالجهاد والسلطان- بما يحكم على أهل العلم.
الحاكم الصالح، وكذلك المجاهد والوزير الصالح، هو من قرب أهل العلم منه، وسألهم وقربهم إليه، وجعل أقوالهم بما يقولون من فتوى حاكمة على فعله؛ وهذا إن نسب إلى مذهب، فإنما لتقريب أهل هذا المذهب إليه لا لأنه مدقق ومن أهل النظر فيه، فنسبته إليه كنسبة العامي.