فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 783

وهؤلاء السلاطين من المسلمين، كحال آل زنكي ثم الصلاحيين، كان هذا شأنهم، ويحبهم أهل السنة لتقريبهم علماء السنة والعمل بفتواهم؛ فهذه منقبة لا سيئة، حتى لو نسب لمذهب هذا العالم الذي فيه بعض بدعة، كما هو الشأن في الانتساب لمذهب الأشعرية.

ثم إنك تعلم -ويعلم الكثيرون- أنه من زمن صار في عرف العوام -والعلماء كذلك- أن مذهب الأشعري هو مذهب أهل السنة، وهذا معروف في الكتب؛ فلما يأتي العامي ويقول: أنا أشعري، فإنما يعني أنه سني، بل إن هذا قول كثير من أهل العلم؛ ينتسبون للمذهب الأشعري لأنه عندهم هو المذهب السني الذي ينجو صاحبه من البدع الضالة كالرفض والاعتزال وغير ذلك.

ولذلك كان في وقت تصالح شديد ووثيق بين أهل الحديث والمنتسبين للأشعري، ولعل طلبة العلم يعرفون قصة تقبيل يد الإمام الباقلاني وهو سيد الأشاعرة، بل إن الحقيقة تقول: إن مذهب الأشعري لا ينسب للأشعري بل للباقلاني، أقول: لقد كان الدارقطني، وهو السني الأثري الجلد، يقبل يد الباقلاني هذا؛ وذلك لعلمه بمقدار دفاع هذا الإمام عن الإسلام أمام الزنادقة والباطنية.

والحق أن المنصف عليه أن يعرف محنة الوقت حتى يعمل لها ولا يبحث عن المعارك التي تبتعد عن فتنة العصر، ولقد كانت فتنة العصر في زمانهم هي الزندقة التي يحمل لواءها الإسماعيليون القرامطة؛ ولو تفكرت في إنتاج العلماء في هذا الزمان لرأيت أن أغلبهم كان جهاده في إثبات النبوة وإعجاز القران، وهذا كان شأن الجهاد فيه بيد المتكلمين من الأشاعرة رحمهم الله تعالى، كأمثال الإمام المجادل العظيم الباقلاني.

بل إن شأن هاتين المسألتين كان للمعتزلة فضل الدفاع عن الإسلام فيهما ضد الزنادقة هؤلاء، ولو دققت في كتب العلماء في هذا الوقت لرأيت فضل المعتزلة في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت