يوافقون جمهور الفقهاء في عدم القصاص من الأب الذي يقتل ولده في غير صورة التي ذكرها المالكية. إذن تعميم رأي المالكية على كل صور قتل الوالد لولده يخالف صميم رأي المالكية أنفسهم.
أقول: أرى أن الرأي القائل بعدم قتل الأب بولده هو الصواب والأقرب إلى روح الشريعة للأسباب التي ذكرها جمهور الفقهاء، في كلام نفيس للكاساني في بدائعه حيث وضح الفرق بين اعتداء الوالد واعتداء الولد قائلًا:"ويقتل الولد بالوالد لعموم القصاص من غير فصل، ثم خص منها الوالد بالنص الخاص فبقي الولد داخلًا تحت العموم، ولأن القصاص شرع لتحقيق حكمة الحياة بالزجر والردع، والحاجة إلى الزجر في جانب الولد لا في جانب الوالد، لأن الوالد يحب ولده لا لنفسه بوصول النفع إليه من جهته، أو يحبه لحياة الذكر لما يحي به ذكره، وفيه أيضًا زيادة شفقة تمنع الوالد عن قتله. أما الولد فإنما يحب والده لا لوالده بل لنفسه وهو وصول النفع إليه من جهته، فلم تكن محبته وشفقته مانعة من القتل، فلزم المنع بشرع القصاص كما في الأجانب، ولأن محبة الولد لوالده لما كانت لمنافع تصل إليه من جهته لا لعينه، فربما يقتل الوالد ليتعجل"