فهرس الكتاب

الصفحة 244 من 252

والجهاد باقٍ ما بقيت التوبة، والتوبة باقية حتى تشرق الشمس من مغربها»، فالهجرة، وهي الحركة البشرية المكانية، هي في نفس الوقت لها معنى التوبة، كما قال - صلى الله عليه وسلم: «المهاجر مَن هجر ما نهى الله عنه» [1] ، ولكن للهجرة معنىً للتوبة آخر، لا يقل أهمية عن المعنى الأول، وهو أن اتساع معنى التوبة للمكان كما اتسعت للزمان، يعني أن التوبة قد تكون مقدرة في مكان بعيد عن العبد، فعليه أن يسعى إلى ذلك المكان ليعبد الله، ولا يشرك به شيئًا، وهذا معنى قوله سبحانه: {يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56) } (العنكبوت:56) ليدل مجموع النصوص على أن معنى العبادة يعم الأرض، كما يعمها معنى التوبة.

ولعل هذا الارتباط هو الحكمة التي قادت العالِم إلى أن ينصح قاتل المائة نفس إلى أن يهاجر إلى بلدٍ آخر، وإثباتًا لدقة هذا الارتباط كان لبقية الحديث الذي أثبت فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الله قد طوى لهذا الرجل الأرض شبرًا ليكون أقرب إلى أرض التوبة، لتقبض روحه ملائكة الرحمة.

وبقاء الهجرة يعني وجود بقاع على الأرض يشغلها الكافرون، وهذا هو المعنى الموجب للجهاد، لأن الجهاد باقٍ ما بقي العداء، والعداء باقٍ ما بقي الكفر، ومن هنا كانت الهجرة باقية ما بقي الجهاد.

(1) المحلى لابن حزم ومجموع الفتاوى لابن تيمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت