كان يأجوج ومأجوج فوق الأرض فأفسدوا فيها، فأخفاهم الله عز وجل وراء الردم الذي بناه ذو القرنين، وبذلك فرق الله بين المفسدين وغير المفسدين، حتى إذا فسد أهل الأرض وأصبحوا مثل يأجوج ومأجوج، فعندئذ فإن حكمة التفريق بين البشر المفسدين وبين يأجوج ومأجوج تنتفي، فلا يكون هناك حكمة في التفريق بينهما فيخرج يأجوج ومأجوج إليهم وبذلك يدخل يأجوج ومأجوج تحت الردم بسُنَّة الله الثابتة ويخرجون إلى الناس من تحت الردم بسنة الله الثابتة أيضًا، لأن سنة الله الثابتة هي: التفريق بين المختلفين، والجمع بين المتماثلين.
وهذا تعريف ابن تيمية لسنة الله الثابتة الذي أورده في كتاب النبوات، فيقول في سياق حديثه عن المعجزة: «وكثير من هؤلاء مضطربون في مسمى العادة التي تخرق والتحقيق أن العادة أمر إضافي فقد يعتاد قوم ما لم يعتده غيرهم فهذه إذا خرقت فليست إلا لصدق النبي لا توجد بدون صدقه والرب تعالى في الحقيقة لا ينقض عادته التي هي سنته التي قال فيها {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (23) } (الفتح:23) ، وقال: «فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (43) » (فاطر:43) ، وهي التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين» [1] وفي هذه السنة الثابتة جاء قول الله عز وجل عن يأجوج ومأجوج: فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98)
(1) رسالة النبوات: ابن تيمية: فصل سنة الأولين.