الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.
فمن أخطر ظواهر الفكر الجاهلي، سواء كان هذا الفكر ذا مظهرا دينيا أو فلسفيا، ظاهرة التأصيل الكوني للأفكار، إذ أن هذا التأصيل هو إثبات للعلاقة بين هذه الأفكار وبين النظام الكوني، ومن ثم فهو تأكيد لصوابها وشرعيتها، وذلك استنادا إلى ما ارتكز في النفوس من أن الحق لابد وأن يكون ملائما من كل جهاته لنظام هذا العالم.
وغالبا ما يكون هذا التأصيل في اتجاهين: الماضي «الجذور» والمستقبل «الامتداد» ، ولعل من الأمثلة على ذلك هذه الزبالة الزائلة التي كانت تسمى «الشيوعية» والتي كان أصحابها يعتبرونها بداية التاريخ وختامه، وكان تأصيلهم الكوني لفكرة الشيوعية يعتمد على القول بصدور حركات العالم عن طبيعة المادة، وانحصار تلك الطبيعة في مبادئ أولية ثلاثة هي: مبدأ «تحول الكم إلى كيف» ، ومبدأ «نفي النفي» ، ومبدأ «وحدة المتناقضات» ، واعتبروا أن ذلك الثالوث المادي هو الحاكم لظواهر الطبيعة ولحركة التاريخ الإنساني على حد سواء، وأنه قادر علي تفسير أيا منهما بحكم خضوع كل الظواهر له، وأن تحول نظام الإنتاج مثلا من الإقطاع إلى رأس المال ثم الشيوعية هو من جنس تحول صور الماء من الحالة الثلجية إلى المائية ثم إلى الحالة البخارية نتيجة تصاعد «كم» معين هو الحرارة، فهذا نموذج لربط (الفكرة الشيوعية) بنظام العالم، ويشاء الله العلي القدير أن تتبخر النظرية كلها بكل عصارتها المنتنة.
ولا شك أن الأديان الوضعية، من يهودية ونصرانية، هي أكثر إلحاحا في محاولة