فهرس الكتاب
ويلاحظ ارتباط علامات الساعة بالمضمون الإنساني أيضا بتحليل علامتي: رفع العلم والأمانة، ففي رفع الأمانة قال - صلى الله عليه وسلم: «يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ، فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ، فَتُقْبَضُ فَيَبْقَى أَثَرُهَا مِثْلَ الْمَجْلِ كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ، فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ، فَيُقَالُ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا، وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَا أَعْقَلَهُ وَمَا أَظْرَفَهُ وَمَا أَجْلَدَهُ وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ» [1] .
والملاحظة المنهجية في الحديث هي أن الأمانة لا تقبض من قلب الرجل إلا وهو نائم، ولذلك يقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «ينام الرجل النومة، ثم ينام النومة» ، وذلك أن الأمانة هي التكليف، والنوم هو الحال الذي يرفع فيه التكليف [2] فيناسب ذلك قبض الأمانة، لأنها أصل التكليف فيناسب قبضها حال رفع التكليف، وأما حقيقة مكانها فهو جذر قلوب الرجال «أي أصل قلوب الرجال» ، والنوم هو الحال الذي ينام فيه القلب، لأن الذي لا ينام قلبه إذا نام هم الأنبياء فيناسب حال نوم القلب أن ترفع الأمانة من أصله.
وكما كان رفع الأمانة دليلًا على جوهرية المضمون الإنساني لعلامات الساعة فهناك رفع العلم وهو لا يختلف عن الأمانة في رفعها وفي ذلك يقول - صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالمًا
(1) صحيح، أخرجه البخاري في الفتن (6045) .
(2) بدليل قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «رفع القلم عن ثلاث، عن النائم حتى يستيقظ والمجنون حتى يعقل، والعلام حتى يبلغ الحلم» .