وإذا أردنا فهم الحكمة من خرج الدابة لا بد لنا من التقديم لهذا بفهم العلاقة بين الأرض وعمل الإنسان من حيث الخلق، ومن حيث الأثر، ومن حيث الختم والشهادة.
أما من حيث الخلق: فقد حدد الله سبحانه هذه العلاقة بقوله عز وجل: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} (النجم:32) ، فالإنسان مرتبط في عمله بمادة خلقه.
أما من حيث الأثر: فإن لطبيعة الأرض وعمل الإنسان علاقة ثابتة مباشرة فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق آدم من جميع الأرض فمنه السهل والحَزَن الأبيض والأسود» [1] .
وأما من حيث الختم والشهادة: ففيها الحديث الذي رواه أبو هريرة حيث قال: «قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) } (الزلزلة:4) ، فقال: أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها أن تقول عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا قال فهذا إخبارها، فهذا أمرها فهذه أخبارها» [2] ، لذا لزم أن تتابع الأرض عمل الإنسان حيث تشهد عليه، فلزم كذلك أن تختم على الإنسان عمله، لأنه موضوع شهادتها.
ولكن الأرض لا تستطيع ختم العمل وهي في صورتها التي هي عليها، فحينئذ يبدأ
(1) أخرجه أبو الشيخ في العظمة «ح 1023» وله شاهد من رواية ابن منبه أيضًا في (العصمة) «ح 1022» ، هو ضعيف لأن ابن منبه يحدث عن بني إسرائيل.
(2) صحيح أخرجه الترمذي برقم: (8669) .