ومن هنا أيضًا كانت المناقشة المستفيضة في سورة التوبة لقضية الجهاد، ومما لا شك فيه أن قضية الجهاد وقضية الهجرة حركتان في اتجاه التوبة، متفقتان في هذا الاتجاه مع الحركة الكونية، وهي حركة العبادة لله، تبارك وتعالى، ولذلك جاء في السورة ذكر المنافقين، الذين يعاكسون تلك الحركة، وهذا الاتجاه في باطنهم، ويتوافقون معها في ظاهرهم، لذا شغلت حركة النفاق آيات كثيرة من سورة التوبة، حتى أن موقف النفاق يكتمل ظهورًا ووضوحًا على الصراط من خلال تواجدهم الظاهر مع المؤمنين فوق الصراط، وذلك باعتبار ظاهرهم الذي هم عليه، ثم انكشاف باطنهم فوق هذا الصراط، وهذا تفسير قول الله، تبارك وتعالى،: {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيِه الَّرحْمَةُ وظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذَابُ} (الحديد:13) .
وسبحان الله القدير، إذ كانت حركة النفاق هي الحركة المضادة تضادًا كاملًا للجهاد والهجرة، ومراجعة السيرة تجعل أمامنا هذه الظاهرة أقوى ما تكون، وأخطر ما تكون، وعلى سبيل المثال حركة عبد الله بن أُبي بن سَلول، الذي عاد بثلث الجيش في إحدى غزوات النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ولعل أبرز أمثلة التقابل والتضاد بين حركة الجهاد من ناحية، وحركة النفاق من ناحية أخرى هو نقطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث وردت كنقطة تقابل وتعاكس بين الحركتين، كما في قوله - سبحانه وتعالى - في المنافقين:
الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ