فهرس الكتاب

الصفحة 271 من 845

فيمن رويت. وكان للعلوم جامعا، وفي فنونها بارعا؛ مقدّما في معرفة علل الحديث على أقرانه، منفردا بهذا الفنّ النفيس في زمانه، بصيرا بذلك، شديد النّظر في تلك المسالك، أذكى ألمعيّة، وأزكى لوذعيّة، لا يشقّ له غبار، ولا يجري معه سواه في مضمار، وكان حسن الاستنباط للأحكام والمعاني من السنّة والكتاب، بنكت تسحر الألباب، وفكر تستفتح له ما استغلق على غيره من الأبواب، مستعينا على ذلك بما رواه من العلوم، مبيّنا ما هنالك بما حواه من مدارك الفهوم، مبرّزا في العلوم النقلية والعقلية، والمسالك الأثريّة والمدارك النظريّة، بحيث يقضي له من كلّ علم بالجميع، وسمع بمصر والشام والحجاز، على تحرّ في ذلك واحتراز، ولم يزل حافظا للسانه، مقبلا على شأنه، وقف نفسه على العلوم وقصرها، ولو شاء العادّ أن يحصر كلماته لحصرها؛ ومع ذلك فله بالتجريد تخلّق، وبكرامات الصالحين تحقّق، وله مع ذلك في الأدب باع، وكرم طباع، لم يخل في بعضها من حسن انطباع، حتّى لقد كان الشهاب محمود الكاتب المحمود في تلك المذاهب، يقول: لم تر عيني آدب منه. وقال أبو حيان: هو أشبه من رأيناه يميل إلى الاجتهاد.

قال الشيخ تاج الدين السبكي: ولم أر أحدا من أشياخنا يختلف في أنّ ابن دقيق (1) العيد هو العالم المبعوث على رأس المائة السابعة، المشار إليه في الحديث؛ فإنّه أستاذ زمانه علما ودينا.

وله مصنّفات، منها الإلمام في الحديث وشرحه الّذي لم يؤلّف أعظم منه لما فيه من الاستنباطات العظيمة، وشرح العمدة، والاقتراح في مصطلح الحديث، وشرح العنوان في أصول الفقه، وكتاب في أصول الدين، وله ديوان خطب، وشعر حسن.

مات يوم الجمعة حادي عشر صفر سنة اثنتين وسبعمائة.

ورثاه الشرف محمد بن محمد عيسى القوصي بقوله:

سيطول بعدك في الطّلول وقوفي ... أروي الثرى من مدمعي المذروف ...

أبكي على فقد العلوم بأسرها ... والمكرمات بناظر مطروف ...

أمحمد بن علي بن وهب دعوة ... من قلب مشجون الفؤاد أسيف ...

لو كان يقبل فيك حتفك فدية ... لفديت من علمائنا بألوف ...

أو كان من جمر المنايا مانع ... منعتك سمر قنا وبيض سيوف ...

ما كنت في الدّنيا على الدّنيا إذا ... ولّت بمحزون ولا مأسوف

(1) انظر شذرات الذهب: 6/ 5، 6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت