فهرس الكتاب

الصفحة 776 من 845

وعليه كآبة وصفرة، ودموعه في المحاجر كالحصى لها اجتماع وحمرة. وشاعر أوقعه في الضرورة بحره المديد، واشتغل بهدم داره عن بيت القصيد، وعروضيّ ضاقت عليه الدائرة فقال: هذه الفاصلة، وقلع من عروض بيته وتدا أزعج بقلعه مفاصله. ونحويّ اشتغل عن زيد وعمرو يبلّ كتبه، وذهل حين استوى الماء والخشبة، عن المفعول معه والمفعول به، وطار عقله لا سيّما عن تصانيف ابن عصفور، وأخبر أنّ البحر وأثاث بيته جارّ ومجرور.

وأما الجزيرة الوسطى فقد أفسد جلّ ثمارها، وأتى على مقاتيها فلم يدع شيئا من ردّيها وخيارها، وألحق موجودها بالمعدوم، وتلا على التكروريّ (سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ) [القلم: 16] ، وأخلق ديباج روضها الأنف، وترك قلقاسها (1) بمدّه وجزره على شفا جرف.

وأما المنشاة فقد أصبحت للهجر مقرّة، بعد أن كانت للعيون قرّة، وقيل لمنشيها: (أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها) [البقرة: 259] ، فقال: (يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ) [يس: 79] . ومال على ما فيها من شون الغلّات كلّ الميل، وتركها تتلو بفمها الذي شقتاه مصراعا الباب: (يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ) [يوسف: 63] .

وأمّا بولاق فقد أصبحت صعيدا زلقا من الملق، وقامت قيامة المارّ بها حين التفّت الساق بالساق من الزّلق، فكم اقتلع بها شجرة لبتّ رؤوسها، وترك ساقية تنوح على أختها التي أصبحت خاوية على عروشها.

وأمّا الخليج الحاكمي (2) فقد خرج عكسر موجه بعد الكسر على حميّة، ومرق من قسيّ قناطره كالسهم من الرميّة، وتواضع حين قبّل بحّارة زويلة عتاب غرفها العالية، وترك السقايين في حالة العجز عن وصفها صريع الدلاء وحمّاد الرواية. فأصبحوا من الكساد وقد سئموا الإقامة، قائلين في شوارع مصر: يا الله السلامة.

ذكر البشارة بوفاء النيل(3)

جرت العادة كلّ سنة إذا وفّى النيل أن يرسل السلطان بشيرا بذلك إلى البلاد

(1) القلقاس: نبات عسقولي جميل من فصيلة القلقاسيات، يزرع في الشرق الأوسط، أوراقه كبيرة خضراء، ولبّه النشوي شبيه بلب البطاطا، يؤكل أصله مطبوخا.

(المنجد) .

(2) انظر الخطط المقريزية: 2/ 143.

(3) في الخطط المقريزية: 2/ 185: علامة وفاء النيل ستة عشر ذراعا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت