فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 845

تفرّق أصحابك؟ ولم يكن ينبغي لك أن ترضى لأحد من أصحابك أن يكون بينك وبينهم بحر، لا تدري ما يفجؤهم، فلعلّك لا تقدر على غياثهم حين ينزل بهم ما تكره. فاجمعهم إليك، فإن أبوا عليك، وأعجبهم موضعهم، فابن عليه من فيء المسلمين حصنا. فعرض ذلك عمرو عليهم فأبوا (1) ، وأعجبهم موضعهم بالجيزة؛ ومن والاهم على ذلك من رهطهم يافع وغيرها، وأحبّوا ما هنالك، فبنى لهم عمرو بن العاص الحصن بالجيزة في سنة إحدى وعشرين، وفرغ من بنائه في سنة اثنتين وعشرين. قال غير ابن لهيعة من مشايخ أهل مصر: إنّ عمرو بن العاص لمّا سأل أهل الجيزة أن ينضمّوا إلى الفسطاط قالوا: متقدّم قدّمناه في سبيل الله، ما كنّا لنرحل منه إلى غيره، فنزلت يافع بالجيزة، فيها مبرّح بن شهاب، وهمدان، وذو أصبح فيهم أبو شمر بن أبرهة، وطائفة من الحجر، منهم علقمة بن جنادة أحد بني مالك بن الحجر، وبرزوا إلى أرض الحرث والزرع.

وكان بين القبائل فضاء، من القبيل إلى القبيل، فلمّا قدمت الأمداد في زمن عثمان ابن عفّان وما بعد ذلك، وكثر النّاس، وسّع كلّ قوم لبني أبيهم حتّى كثر البنيان، والتأم خطط الجيزة.

ذكر المقطّم(2)

قال ابن عبد الحكم: حدّثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، قال: سأل المقوقس عمرو بن العاص أن يبيعه سفح المقطم بسبعين ألف دينار، فعجب عمرو من ذلك وقال: أكتب في ذلك إلى أمير المؤمنين، فكتب في ذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: سله لم أعطاك به ما أعطاك وهي لا تزدرع ولا يستنبط بها ماء، ولا ينتفع بها؟ فسأله فقال: إنّا لنجد صفتها في الكتب؛ إنّ فيها غراس الجنّة. فكتب بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: إنّا لا نعلم غراس الجنة إلا للمؤمنين، فاقبر فيها من مات قبلك من المسلمين، ولا تبعه بشيء. فكان أوّل من دفن فيها رجل من المعافر، يقال له عامر، فقيل: عمرت.

حدّثنا هانئ بن المتوكّل، عن ابن لهيعة، أنّ المقوقس قال لعمرو: إنّا لنجد في كتابنا أنّ ما بين هذا الجبل وحيث نزلتم ينبت فيه شجر الجنّة، فكتب بقوله إلى عمر بن

(1) في المصدر السابق: حصوننا سيوفنا.

(2) في معجم البلدان: المقطم جبل مشرف على القرافة مقبرة فسطاط مصر والقاهرة شرقي النيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت