فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 845

فانطلق عمرو وصاحبه، وبعث معهما الشمّاس دليلا ورسولا، وزوّدهما وأكرمهما؛ حتّى رجع هو وصاحبه إلى أصحابهما؛ فبذلك عرف عمرو مدخل مصر ومخرجها، ورأى منها ما علم أنّها أفضل البلاد وأكثرها مالا. فلمّا رجع عمرو إلى أصحابه دفع إليهم فيما بينهم ألف دينار وأمسك لنفسه ألفا، قال عمرو: فكان أوّل مال اعتقدته وتأثّلته (1) .

قال ابن عبد الحكم: حدّثنا هشام بن إسحاق وغيره، قال: لمّا كانت سنة ستّ من الهجرة، ورجع رسول الله من الحديبيّة بعث إلى الملوك، فبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندريّة، فمضى حاطب بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمّا انتهى إلى الإسكندريّة، وجد المقوقس في مجلس يشرف على البحر، فركب البحر؛ فلمّا حاذى مجلسه، أشار بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين إصبعيه، فلمّا رآه أمر بالكتاب فقبض، وأمر به فأوصل إليه، فلمّا قرأ الكتاب قال: ما منعه إن كان نبيّا أن يدعو عليّ فيسلّط عليّ؟ فقال له: ما منع عيسى ابن مريم أن يدعو على من أبى عليه أن يفعل به ويفعل؟ فوجم ساعة، ثم استعادها فأعادها حاطب عليه، فسكت؛ فقال له حاطب: إنّه قد كان قبلك رجل يزعم أنّه الربّ الأعلى، فانتقم الله به ثمّ انتقم منه؛ فاعتبر بغيرك، ولا يعتبر بك. وإنّ لك دينا لن تدعه إلّا لما هو خير منه، وهو الإسلام الكافي به الله فقد ما سواه، وما بشارة موسى بعيسى إلّا كبشارة عيسى بمحمّد، وما دعاؤنا إيّاك إلى القرآن إلّا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكنّا نأمرك به؛ ثمّ قرأ الكتاب، فإذا فيه:

بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله، إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتّبع الهدى؛ أمّا بعد، فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام، فأسلم تسلم ويؤتك الله أجرك مرّتين، (يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 61] .

فلمّا قرأه أخذه، فجعله في حقّ (2) من عاج، وختم عليه، ثمّ دعا كاتبا يكتب بالعربية، فكتب:

(1) تأثلته: جمعته ونمّيته.

(2) الحق: الوعاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت