فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وأما المحاسن فدارت دوائره على وجنات الدهر عاطفة، وثقلت أرداف أمواجه على خصور الجواري واضطربت كالخائفة، ومال شيّق النخيل إليه فلثم ثغر طلعه وقبّل سالفه، وأمست سود الجواري كالحسنات على حمرة وجناته، وكلّما زاد زاد الله في حسناته؛ فلا فقير سدّ إلا حصل له من فيض نعماه فتوح، ولا ميّت خليج إلا عاش به ودبّت فيه الروح، ولكنّه احمرّت عينه على الناس بزيادة وترفّع، فقال له المقياس (1) : عندي قبالة كلّ عين أصبع. ونشر أعلام قلوعه وحمل وله على ذي الجزيرة زمجرة، ورام أن يهجم على غير بلاده فبادر إليه عزم المؤيديّ وكسره.
وقد آثرنا الجناب بهذه البشرى الّتي سرى فضلها برّا وبحرا، وحدّثناه عن البحر ولا حرج وشرحنا له حالا وصدرا، ليأخذ حظّه من هذه البشارة البحريّة بالزيادة الوافرة، وينشق من طيبها نشرا فقد حملت له من طيّبات ذلك النسيم أنفاسا عاطرة. والله تعالى يوصل بشائرنا الشريفة لسمعه الكريم ليصير بها في كلّ وقت مشنفا، ولا برح من نيلها المبارك وإنعامنا الشريف على كلا الحالين في وفا.
قال ابن عبد الحكم: كان أوّل من قاس النّيل بمصر يوسف (2) عليه السلام، ووضع مقياسا بمنف، ثم وضعت العجوز دلوكة (3) ابنة زبّاء مقياسا بأنصنا (4) ؛ وهو صغير الذّرع ومقياسا بإخميم. ووضع عبد العزيز بن مروان مقياسا بحلوان وهو صغير، ووضع أسامة ابن زيد التّنوخيّ في خلافة الوليد (5) مقياسا بالجزيرة؛ وهي المسمّاة الآن بالرّوضة، وهو أكبرها؛ حدّثنا يحيى بن بكير، قال: أدركت القيّاس يقيس في مقياس منف ويدخل بزيادته إلى الفسطاط.
هذا ما ذكره ابن عبد الحكم.
قال التّيفاشيّ: ثم هدم المأمون مقياس الجزيرة، وأسّسه ولم يتمّه، فأتمّ المتوكّل بناءه (6) وهو الموجود الآن.
(1) انظر الخطط المقريزية: 2/ 185.
(2) النجوم الزاهرة: 1/ 372.
(3) انظر النجوم الزاهرة: 1/ 372.
(4) في النجوم الزاهرة: 1/ 372: أنصنا مدينة قديمة من نواحي صعيد مصر.
(5) في النجوم الزاهرة: 1/ 372: الوليد بن عبد الملك.
(6) في النجوم الزاهرة: 1/ 372: سنة 247 ه.