فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وقبّل ثغور الإسلام فأرشفها ريقه الحلو فمالت أعطاف غصونها إليه، وشبّب خريره في الصعيد بالقصب، ومدّ سبائكه الذهبيّة إلى جزيرة الذهب، فضرب الناصريّة واتّصل بأمّ دينار، وقلنا: لولا أنّ صبغ بقوّة لما جاء وعليه ذلك الاحمرار.
وأطال الله عمر زيادته فتردّد إلى الآثار، وعمّته البركة فأجرى سواقي ملكه إلى أن غدت جنّة تجري من تحتها الأنهار، وحضن مشتهى الرّوضة في صدره، وحنا عليها حنوّ المرضعات على الفطيم:
وأرشفنا على ظمأ زلالا ... ألذّ من المدامة للنديم
وراق مديد بحره لما انتظمت عليه تلك الأبيات، وسقى الأرض سلافته (1) الخمريّة فخدمته بحلو النبات، وأدخله إلى جنّات النخيل والأعناب فالق النوى والحبّ، فأرضع في أحشاء الأرض جنين النّبت، وأحيا له أمّهات العصف والأبّ. وصافحته كفوف الموز فختمها بخواتمه العقيقيّة ولبس الورد تشريفه، وقال: أرجو أن تكوني شوكتي في أيّامه قويّة، ونسي الزهر بحلاوة لقائه مرارة النّوى، وهامت به مخدّرات الأشجار فأرخت ضفائر فروعها عليه من شدّة الهوى، واستوفى النبات ما كان له في ذمة الريّ من الديون، ومازج الحوامض بحلاوته فهام النّاس بالسّكّر والليمون، وانجذب إليه الكبّاد وامتدّ، ولكنّ قوى قوسه لمّا حظي منه بسهم لا يردّ، ولبس شربوش الأترجّ وترفّع إلى أن لبس بعده التاج، وفتح منثور الأرض لعلامته بسعة الرزق وقد نفذ أمره وراج، فتناول مقالم الشنبر وعلّم بأقلامها، ورسم لمحبوس كلّ سدّ بالإفراج، وسرّح بطائق السفن فخفقت أجنحتها بمخلق بشائره، وأشار بأصابعه إلى قتل المحل فبادر الخصب إلى امتثال أوامره، وحظي بالمعشوق وبلغ من كلّ منية مناه، فلا سكن على البحر إلّا تحرّك ساكنه بعدما تفقّه واتقن باب المياه، ومدّ شفاه أمواجه إلى تقبيل فم الخور (2) ، وزاد مترعه فاستحلى المصريّون زائده على الفور، ونزل في بركة الحبش (3) فدخل التّكرور في طاعته، وحمل على الجهات البحريّة فكسر المنصورة وعلا على الطويلة بشهامته، وأظهر في مسجد الخضر عين الحياة فأقرّ الله عينه، وصار أهل دمياط في برزخ بين المال وبينه، وطلب المالح ردّه بالصدر وطعن في حلاوة شمائله، فما شعر إلّا وقد ركب عليه ونزل في ساحله.
(1) السلافة: سلافة أي شيء عصرته وأوّله.
(2) في الخطط المقريزية: 2/ 144: خليج فم الخور يخرج الأن من بحر النيل ويصبّ في الخليج الناصري ليقوى جري الماء فيه.
(3) انظر الخطط المقريزية: 2/ 152.