فهرس الكتاب

الصفحة 698 من 845

شرع في بنائها في سنة ثمان وخمسين وسبعمائة، وكان في موضعها دور وإسطبلات. قال المقريزيّ: لا يعرف ببلاد الإسلام معبد من معابد المسلمين يحكي هذه المدرسة في كبر قالبها، وحسن هندامها، وضخامة شكلها، قامت العمارة فيها مدّة ثلاث سنين، لا تبطل يوما واحدا، وأرصد لمصروفها في كلّ يوم عشرين ألف درهم، منها نحو ألف مثقال ذهبا، حتّى قال السلطان: لولا أن يقال: ملك مصر عجز عن إتمام ما بناه لتركت بناءها؛ من كثرة ما صرف.

وذرع إيوانها الكبير خمسة وستّون ذراعا في مثلها، ويقال إنّه أكبر من إيوان كسرى بخمسة أذرع، وبها أربع مدارس للمذاهب الأربعة.

قال الحافظ ابن حجر في إنباء الغمر: يقال إن السلطان حسن أراد أن يعمل في مدرسته درس فرائض، فقال البهاء السبكي: هو باب من أبواب الفقه، فأعرض عن ذلك. فاتّفق وقوع قضية في الفرائض مشكلة، فسئل عنها السّبكيّ، لم يجب عنها، فأرسلوا إلى الشيخ شمس الدين الكلائيّ فقال: إذا كانت الفرائض بابا من أبواب الفقه، فما له لا يجيب؟! فشقّ ذلك على بهاء الدين وندم على ما قال.

وكان السّلطان قد عزم على أن يبني أربع منائر، يؤذّنون عليها، فتمّت ثلاث منائر إلى أن كان يوم السبت سادس ربيع الآخر سنة اثنتين وستّين وسبعمائة، سقطت المنارة التي على الباب، فهلك تحتها نحو ثلاثمائة نفس من الأيتام الذي كانوا قد رتّبوا بمكتب السبيل ومن غيرهم، فلهج الناس بأنّ ذلك ينذر بزوال الدولة، فقال الشيخ بهاء الدين السبكي في ذلك أبياتا:

أبشر فسعدك يا سلطان مصر أتى ... بشيره بمقال سار كالمثل ...

إنّ المنارة لم تسقط لمنقصة ... لكن لسرّ خفي قد تبيّن لي ...

من تحتها قرئ القرآن فاستمعت ... فالوجد في الحال أدّاها إلى الميل ...

لو أنزل الله قرآنا على جبل ... تصدّعت رأسه من شدّة الوجل ...

تلك الحجارة لم تنقضّ بل هبطت ... من خشية الله لا للضعف والخلل ...

وغاب سلطانها فاستوحشت فرمت ... بنفسها لجوى في القلب مشتعل ...

فالحمد لله خطّ العين زال بما ... قد كان قدّره الرحمن في الأزل ...

لا يعتري البؤس بعد اليوم مدرسة ... شيّدت بنيانها للعلم والعمل ...

ودمت حتّى ترى الدنيا بها امتلأت ... علما فليس بمصر غير مشتغل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت