فهرس الكتاب

الصفحة 775 من 845

ديونه، ونزل السّعر حين أخذ منه طالع الارتفاع، وأحدق بالقرى فأصبح كأنّه سماوات كواكبها الضّياع؛ فلم يكن بعد ذلك إلّا كلمح البصر أو هو أقرب، حتّى عسل (1) في شوارع مصر كما عسر الطريق الثعلب، وجاس خلال ديارها فأصبح على زرائبها المبثوثة بسطة، وأحاط بالمقياس إحاطة الدائرة بالنقطة. ثمّ علت أمواجه، واشتدّ اضطرابه، وكاد يمتزج بنهر المجرّة الذي الغمام زبده والنجوم حبابه (2) .

وشرّق حتّى ليس للشّرق مشرق ... وغرّب حتّى ليس للغرب مغرب

إلى أن قال: أما دير الطّين (3) فقد ليّس سقوف حيطانه، واقتلع أشجار غيطانه، وأتى على ما فيه من حاصل وغلّة، وتركه ملقة، فكان كما قيل: زاد الطّين بلّة.

وأما الجيزة فقد طغى الماء على قناطرها وتجسّر، ووقع بها القصب من قامته حين علا عليه الماء وتكسّر، فأصبح بعد اخضرار بزّته شاحب الإهاب، ناصل الخضاب، غارقا في قعر (بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ) [النور: 40] ، وقطع طريق زاويتها على من بها من المنقطعين والفقراء، وترك الطالح كالصالح يمشي على الماء، فتنادوا مصبحين: (أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ) [القلم: 24] ، وأدركهم الغرق فأيسوا من الخلاص، (فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ) [طه: 78] ، فنادوا: (وَلاتَ حِينَ مَناصٍ) [ص: 3] ، (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ) [النحل: 26] ، فانهدّت قواهم، واستغاثوا من كثرة الماء بالذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم.

وأمّا الروضة (4) فقد أحاط بها إحاطة الكمام بزهره، والكأس بحباب خمره:

فكأنّها فيه بساط أخضر ... وكأنّه فيها طراز مذهّب

فكم بها من متهم ومنجد، ومسافر ممّا حصل له من المقيم المقعد. وحائك أصبح حول نوله ينير، وجعل من غزله بل من غيظه على أجيره يحمل ويسير. ومنجّم وصل الماء من منزله إلى العتبة الخارجة فأصبح في أنحس تقويم، ودخل إلى بيت أمراضه (فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ) [الصافات: 88] ، فأصبح في الطريق

(1) عسل: تحرّك واضطرب.

(2) الحباب: الفقاقيع التي تعلو الماء.

(3) في الخطط المقريزية: 1/ 503: دير مار حنّا قرب النيل يعرف اليوم بدير الطين.

(4) جزيرة الروضة في النيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت