فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ودعاهم إلى البيعة لعليّ، فبايعوا، واستقامت له طاعة بلاد مصر سوى قرية منها يقال لها خربتا، فيها أناس قد أعظموا قتل عثمان، وكانوا سادة الناس ووجوههم، وكانوا في نحو من عشرة آلاف، منهم بسر بن أرطأة، ومسلمة بن مخلّد، ومعاوية بن حديج وجماعة من الأكابر، وعليهم رجل يقال له يزيد بن الحارث المدلجيّ، وبعثوا إلى قيس ابن سعد فوادعهم وضبط مصر، وسار فيها سيرة حسنة.
قال ابن عبد الحكم: لمّا ولي قيس مصر اختطّ بها دارا قبليّ الجامع، فلما عزل كان الناس يقولون: إنّها له، حتّى ذكرت له، فقال: وأيّ دار لي بمصر؟ فذكروها له فقال: إنّما تلك بنيتها من مال المسلمين، لا حقّ لي فيها.
ويقال: إن قيسا أوصى لمّا حضرته الوفاة: إني كنت بنيت دارا بمصر وأنا واليها، واستعنت فيها بمعونة المسلمين؛ فهي للمسلمين ينزلها ولاتهم.
وكانت ولاية قيس مصر في صفر سنة ست وثلاثين. فكتب معاوية إلى قيس يدعوه إلى القيام بطلب دم عثمان، وأن يكون هو أزرا له على ما هو بصدده من القيام في ذلك، ووعده أن يكون نائبه على العراقين إذا تمّ له الأمر. فلمّا بلغه الكتاب ـ وكان قيس رجلا حازما ـ لم يخالفه ولم يوافقه، بل بعث يلاطف معه الأمر؛ وذلك لبعده من عليّ، وقربه من بلاد الشام؛ وما مع معاوية من الجنود، فسالمه قيس وتاركه؛ فأشاع بعض أهل الشام أنّ قيس بن سعد يكاتبهم في الباطن، ويمالئهم على أهل العراق.
وروى ابن جرير أنّه جاء من جهته كتاب مزوّر بمبايعته معاوية، فلمّا بلغ ذلك عليّا اتّهمه، وكتب إليه أن يغزو أهل خربتا الذين تخلّفوا عن البيعة، فبعث يعتذر إليه بأنّهم كثير عددهم، وهم وجوه الناس، وكتب إليه: إن كنت إنّما أمرتني بهذا لتختبرني لأنّك اتّهمتني، فابعث على عملك بمصر غيري.
فولّى عليّ على مصر محمد (1) بن أبي بكر، وارتحل قيس إلى المدينة، ثم ركب إلى عليّ، واعتذر إليه، وشهد معه صفّين، فلم يزل محمد بن أبي بكر بمصر قائم الأمر، مهيبا بالديار المصرية، حتّى كانت وقعة صفّين، وبلغ أهل مصر خبر معاوية ومن معه من أهل الشام على قتال أهل العراق، وصاروا إلى التحكيم. فطمع أهل مصر في محمد بن أبي بكر، واجترؤوا عليه، وبارزوه بالعداوة، وندم عليّ بن أبي طالب على عزل قيس من مصر لأنّه كان كفؤا لمعاوية وعمرو. فلمّا فرغ عليّ من صفّين، وبلغه أنّ
(1) في الكامل لابن الأثير 3/ 139: وقيل: بعث الأشتر النخعي فمات بالطريق.