فهرس الكتاب

الصفحة 502 من 845

ثمّ إنّك خوطبت بالملك، وذلك خطاب يقضي لصدرك بالانشراح، ولأملك بالانفساح، وتؤمر معه بمدّ يدك العليا لا تضمّها إلى الجناح.

وهذه الثلاثة المشار إليها هي التي تكمل بها أقسام السيادة، وهي الّتي لا مزيد عليها في الإحسان فيقال إنّها الحسنى وزيادة؛ فإن صارت إليك فانصب لها يوما يكون في الأيّام كريم الأنساب، واجعله لها عيدا وقل هذا عيد الخلعة والتقليد والخطاب.

هذا ولك عند أمير المؤمنين مكانة بجعلك إليه حاضرا وأنت ناء عن الحضور، وتضنّ أن تكون مشتركة بينك وبين غيرك والضّنّة من شيم الغيوب؛ وهذه المكانة قد عرّفتك نفسها وما كنت تعرفها؛ وما نقول إلّا أنّها لك صاحبة وأنت يوسفها، فاحرسها عليك حراسة تقضي بتقديمها، واعمل لها فإنّ الأعمال بخواتيمها.

واعلم أنّك تقلّدت أمرا يفتن به تقيّ الحلوم، ولا ينفكّ صاحبه عن عهدة الملوم، وكثيرا ما ترى حسناته يوم القيامة وهي مقسومة بأيدي الخصوم؛ ولا ينجو من ذلك إلّا من أخذ أهبة الحذار، وأشفق من شهادة الأسماع والأبصار. واعلم أنّ الولاية ميزان، إحدى كفّتيه في الجنّة والأخرى في النار؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذرّ، إنّي أحبّ لك ما أحبّ لنفسي، لا تأمّرنّ على اثنين، ولا تولينّ مال يتيم» . فانظر إلى هذا القول النبويّ نظر من لم يخدع بحديث الحرص والآمال، ومثّل الدنيا وقد سيقت إليك بحذافيرها، أليس مصيرها إلى زوال؟! والسعيد من إذا جاءته قضى بها أرب الأرواح لا أرب الجسوم، واتّخذ منها وهي السمّ دواء وقد تتّخذ الأدوية من السموم.

وما الاغتباط بما يختلف على تلاشيه المساء والصباح، وهو كما أنزلناه من السماء، فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرّياح.

والله يعصم أمير المؤمنين، وولاة أمره من تبعاتها التّي لابستهم ولابسوها، وأحصاها الله ونسوها، ولك أنت من الله هذا الدعاء حظّ على قدر محلّك من العنابة التي حدثت بصنعك، ومحلّك من الولاية التي بسطت من ذرعك.

فخذ هذا الأمر الذي تقلّدته أخذ من لم يتعقّبه بالنّسيان، وكن في رعايته ممن إذا نامت عيناه كان قلبه يقظان؛ وملاك ذلك كلّه في إسباغ العدل الذي جعله الله ثالث الحديث والكتاب، وأغنى بثوابه وحده عن أعمال الثواب؛ وقدّر يوما منه بعبادة ستّين عاما في الحساب، ولم يأمر به آمر إلّا زيد قوّة في أمره، وتحصّن به من عدوّه ومن دهره. ثمّ يجاء به يوم القيامة وفي يده كتاب أمان، ويجلس على منبر من نور عن يمين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت