فهرس الكتاب

الصفحة 555 من 845

سيفا لو أغفت بوارقه ليلة واحدة عن الأعداء سلّت خياله عليهم الأحلام؛ وسيؤكّد أمير المؤمنين في ارتجاع ما غلب عليه العدا.

وقد قدّم الوصيّة بأن يوالي غزو العدوّ المخذول برّا وبحرا. ولا يكفّ عمّن ظفر به منهم قتلا ولا أسرا، ولا يفكّ أغلالا ولا إصرا (1) ، ولا ينفكّ يرسل عليهم في البرّ من الخيل عقبانا وفي البحر غربانا (2) ، تحمل كلّ منهما من كلّ فارس صقرا، ويحمي الممالك مما يتخرّق أطرافها بإقدام، ويتحوّل أكنافها بأقدام، وينظر في مصالح القلاع والحصون والثغور، وما يحتاج إليه من آلات القتال وأمهات الممالك التي هي مرابط البنود، ومرابض الأسود، والأمراء والعساكر والجنود، وترتيبهم في الميمنة والميسرة والجناح الممدود، ويتفقّد أحوالهم بالعرض، بما لم من خيل تعقد ما بين السماء والأرض، وما لهم من زرد موضون (3) ، وبيض (4) مسّها ذائب ذهب فكانت كأنّها بيض مكنون، وسيوف قواضب، ورماح بسبب دوامها من الدماء خواضب، وسهام تواصل القسيّ وتفارقها، فتحنّ حنين مفارق وتزمجر القوس زمجرة مغاضب.

وهذه جملة أراد بها أمير المؤمنين إطابة قلوبكم، وإطالة ذيل التطويل على مطلوبكم، ودماؤكم وأموالكم وأعراضكم في حماية إلّا ما أباح الشرع المطهّر، ويزيد الإحسان إليكم على مقدار ما يخفى منكم ويظهر. وأما جزئيّات الأمور فقد علمتم بأنّ من بعد عن أمير المؤمنين غني عن مثل هذه الذكرى، وأنتم على تفاوت مقاديركم وديعة أمير المؤمنين، وكلّكم سواء في الحقّ عند أمير المؤمنين، وله عليكم أداء النصيحة، وإبداء الطاعة بسريرة صحيحة؛ فقد دخل كلّ منكم في كنف أمير المؤمنين وتحت رقّه، ولزمه حكم بيعته وألزم طائره في عنقه؛ وسيعلم كلّ منكم في الوفاء بما أصبح به عليما، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما.

هذا قول أمير المؤمنين؛ وقال وهو من يعمل في ذلك كلّه بما تحمد عاقبته من الأعمال، وعلى هذا عهد إليه وبه يعهد، وما سوى ذلك فجور لا يشهد به عليه ولا يشهد؛ وأمير المؤمنين يستغفر الله على كلّ حال، ويستعيذ به من الإهمال، ويسأله أن يمدّه لما يحبّ من الآمال، ولا يمدّ له حبل الإهمال.

(1) الإصر: العهد.

(2) الغراب: نوع من السفن [الجيش العربي في عصر الفتوحات: 170] .

(3) الزرد الموضون: المتقارب النسيج.

(4) البيض: السيوف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت