فهرس الكتاب

الصفحة 685 من 845

أبواب البرّ والصّدقات، وبنى منها الجامع، وأنفق عليه مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار، وبنى المارستان، وأنفق عليه ستّين ألف دينار.

وقال صاحب مرآة الزمان: قرأت في تاريخ مصر أن ابن طولون كان لا يعبث قطّ، وأنّه أخذ يوما درجا من الكاغد (1) ، وجعل يعبث به، وبقي بعضه في يده، فعجب الحاضرون فقال: اصنعوا منارة الجامع على هذا المثال، وهي قائمة اليوم على ذلك. قال: ولما تمّ بناء الجامع رأى ابن طولون في منامه كأنّ الله تجلّى للقصور التي حول الجامع ولم يتجلّ للجامع، فسأل المعبّرين، فقالوا: يخرب ما حوله، ويبقى الجامع قائما وحده. قال: ومن أين لكم هذا؟ قالوا: من قوله تعالى: (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا) [الأعراف: 143] ، وقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا تجلّى الله لشيء خضع له» ، فكان كما قالوا.

وفي الخطط للمقريزيّ: بنى أحمد بن طولون جامعه على بناء جامع سامرّاء، وكذلك المنارة، وبيّضه وحلّقه وفرشه بالحصر العبدانيّة، وعلّق فيه القناديل المحكمة بالسلاسل النحاس المفرّغة الحسان الطوال، وحمل إليه صناديق المصاحف، وكان في وسط صحنه قبّة مشبكة من جميع جوانبها، وهي مذهّبة على عشرة عمد رخام مفروشة كلّها بالرخام، وتحت القبّة قصعة رخام سعتها أربعة أذرع، وسطها فوّارة تفور بالماء، وكانت على السطح علامات للزوال والسطح بدرابزين ساج، فاحترق هذا كلّه في ساعة واحدة في ليلة الخميس لعشر خلون من جمادى الأولى سنة تسع وسبعين وثلاثمائة، فلما كان في محرّم سنة خمس وثمانين وثلاثمائة؛ أمر العزيز بالله بن المعزّ ببناء فوّارة عوضا عن التي احترقت (2) .

قال المقريزيّ: ولما كمل بناء جامع بن طولون صلّى فيه القاضي بكّار (3) إماما، وخطب فيه أبو يعقوب البلخيّ، وأملى فيه الحديث الربيع بن سليمان تلميذ الإمام الشافعيّ، ودفع إليه أحمد بن طولون في ذلك اليوم كيسا فيه ألف دينار (4) . وعمل الربيع كتابا فيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من بنى مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنّة» ، ودسّ أحمد بن طولون عيونا لسماع ما يقوله النّاس من العيوب في الجامع، فقال رجل: محرابه صغير، وقال آخر: ما فيه عمود، وقال آخر: ليس له ميضأة، فجمع الناس وقال: أمّا المحراب فإنّي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد

(1) الكاغد: القرطاس. (فارسية) .

(2) انظر الخطط المقريزية: 2/ 268.

(3) في الخطط المقريزية: 2/ 265: بكار بن قتيبة القاضي.

(4) انظر الخطط المقريزية: 2/ 266.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت