فهرس الكتاب

الصفحة 738 من 845

فأحسنت لربّها المساق، وكم أخذت عهود الأمانة فبدت أطواقا في الأعناق، ويقال ما تضمّنته من البطائق بعض ما تعلّق منها في الرياض من الأوراق، تسبق اللّمح، وكم استفتح بها بشير إذا جاء بالفتح، تفوت الطّرف السابق، والطّرف الرامي الرّامق، وما تلت سورة البروج إلا وتلت سرة الطارق. كم أنسى مطارها عدو السّلكة والسّليك، وكم غنيت في خدمة سلطانها عن الغناء وقال كلّ منهما لرفيقه: إليك عن الأيك.

ما أحوج تصديقهما في رسالتهما إلى الإعزاز بثالث، وكم قيل في كلّ منهما لمن سام هذا حام في خدمة أبناء يافث، كم سرّحا بإحسان، وكم طارا بأفق فاستحقّ أن يقال لهما: فرسا سحاب إذ قيل لأحدهما فرسا رهان، حاملة علم لمن هو أعلم به منها، يغنى السّفّار والسّفارة فلا تحوجهم إلى الاستغناء عنها.

تغدو وتروح، وبالسرّ لا تبوح، فكم غنيت باجتماعها بإلفها عن أنّها تنوح. كم سارت تحت أمر سلطانها أحسن السير، وكم أفهمت أنّ ملك سليمان إذ سخّر له منها في مهمّاته الطير، أسرع من السهام المفوّقة، وكم من البطائق مخلقة وغير مخلّقة، كم ضللت من كيد، وكم بدت في مقصورة دونها مقصورة ابن دريد.

ومن إنشاء الأديب تقيّ الدين أبو بكر بن حجّة في ذلك:

سرح فما سرح العيون إلا دون رسالته المقبولة، وطلب السبق فلم يرض بعرف البرق سرحا ولا استظلّ صفحته المصقولة؛ وكم جرى دونه النّسيم فقصّر وأمست أذياله بعرف السحب مبلولة. وأرسل فأقرّ الناس برسالته وكتابه المصدّق، وانقطع كوكب الصبح خلفه فقال عند التقصير: كتب يجاب وعلى يديّ يخلق، يؤدّي ما جاء على يده من الترسّل فيهيج الأشواق، وما برحت الحمام تحسّن الأداء في الأوراق، وصحبناه على الهدى فقال: (ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى) [النجم: 2] ، ومن روى عنه الحديث المسند فعن عكرمة قد روى، يطير مع الهوى لفرط صلاحه، ولم يبق على السرّ المصون جناح إذا دخل تحت جناحه؛ إن برز من مقفصه لم يبق للصّرح الممرّد قيمة، بل ينعزل بتدبيج أطواقه ويعلّق عليه من العين تلك التّميمة، ما سجن إلا صبر على السجن وضيقة الأطواق، ولهذا حمدت عاقبته على الإطلاق، ولا غنّى على عود إلا أسال دموع الندى من حدائق الرياض، ولا أطلق من كبد الجوّ إلا كان سهما ريشا تبلغ به الأغراض. كم علا فصاد بريش القوادم كالأهداب لعين الشمس، وأمسى عند الهبوط لعيون الهلال كالطّمس؛ فهو الطائر الميمون والغاية السبّاقة، والأمين الذي أودع أسرار الملوك حملها بطاقة؛ فهو من الطيور الّتي خلا لها الجوّ فنقّرت ما شاءت من حبّات النجوم، والعجماء التي من أخذ عنها شرح المعلّقات فقد أعرب عن دقائق المفهوم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت