فهرس الكتاب

الصفحة 758 من 845

وقعت في أرض من ذهب جبالها وأشجارها وسهولها من ذهب، فيها ينتهي إليك علم النّيل.

فسار حتى انتهى إلى أرض الذّهب، فسار فيها حتّى انتهى إلى سور من ذهب وشرفة من ذهب، وقبّة من ذهب، لها أربعة أبواب؛ فنظر إلى ما ينحدر من فوق ذلك السّور حتّى يستقرّ في القبّة ثمّ ينصرف في الأبواب الأربعة: فأمّا ثلاثة فتغيض في الأرض، وأمّا واحد فيسير على وجه الأرض؛ وهو النيل. فشرب منه واستراح، وأهوى إلى السّور ليصعد، فأتاه ملك فقال له: يا حامد قف مكانك، فقد انتهى إليك علم هذا النيل؛ وهذه الجنّة؛ وإنّما ينزل من الجنّة، فقال: أريد أن أنظر إلى الجنّة، فقال: إنك لن تستطيع دخولها اليوم يا حامد، قال: فأيّ شيء هذا الذي أرى؟ قال: هذا الفلك الذي تدور فيه الشمس والقمر، وهو شبه الرحى، قال: إنّي أريد أن أركبه فأدور فيه ـ فقال بعض العلماء: إنّه قد ركبه؛ حتّى دار الدنيا وقال بعضهم: لم يركبه ـ فقال له: يا حامد؛ إنه سيأتيك من الجنّة رزق، فلا تؤثر عليه شيئا من الدّنيا، فإنّه لا ينبغي لشيء من الجنّة أن يؤثر عليه شيء من الدنيا إن لم تؤثر عليه شيئا من الدنيا بقي ما بقيت.

قال: فبينا هو كذلك واقف، إذ نزل عليه عنقود من عنب فيه ثلاثة أصناف؛ لون كالزبرجد الأخضر، ولون كالياقوت الأحمر، ولون كاللؤلؤ الأبيض، ثمّ قال له: يا حامد، أما إنّ هذا من حصرم الجنّة، وليس من طيب عنبها، فارجع يا حامد، فقد انتهى إليك علم النيل؛ فقال: هذه الثلاثة الّتي تغيض في الأرض، ما هي؟ قال: أحدها الفرات، والآخر دجلة، والآخر جيحان، فارجع.

فرجع حتّى انتهى إلى الدابّة التي ركبها، فركبها، فلمّا أهوت الشمس لتغرب قذفت به من جانب البحر، فأقبل حتّى انتهى إلى عمران، فوجده ميّتا فدفنه، وأقام على قبره ثلاثا؛ فأقبل شيخ متشبّه بالناس أغرّ من السجود، ثمّ أقبل إلى حامد، فسلّم عليه، ثمّ قال له: يا حامد؛ ما انتهى إليك من علم هذا النيل؟ فأخبره، فلمّا أخبره، قال له: هكذا نجده في الكتب، ثمّ أطرى (1) ذلك التفّاح في عينيه، وقال: ألا تأكل منه؟ قال: معي رزقي، قد أعطيته من الجنّة ونهيت أن أؤثر عليه شيئا من الدنيا، قال: صدقت يا حامد، هل ينبغي لشيء من الجنّة أن يؤثر بشيء من الدنيا، وهل رأيت في الدنيا مثل هذا التفاح؟ إنّما أنبتت له في الأرض ليس من الدنيا، وإنّما هذه الشجرة من الجنّة، أخرجها الله لعمران يأكل منها، وما تركها إلّا لك، ولو قد وليت عنها رفعت، فلم يزل

(1) أطرى التفاح: أحسن الثناء عليه وبالغ في مدحه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت