فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
لما قيست بالذّراع، ولو لا أنّ مقياسه أشرف البقاع لما اعتبر ما تأخّر من ماء حوله الماضي بقاع، بينا يكون في الباب إذ هو في الطّاق، وبينا يكون في الاحتراق إذا هو في الاختراق للإغراق، وبينا يكون في المجاري، إذا هو في السواري، وبينا يكون في الجباب إذا هو في الجبال، وبينا يقال لزيادته: هذه الأمواه إذ يقال لغلّاته: هذه الأموال. وبينا يكون ماء إذ أصبح حبرا، وبينا هو يكسب تجارة قد أكسب بحرا، وبينا يفسد عراه قد أتى بعرار جسور على الجسور جيشه الكرّار، وكم أمست التّراع منه تراع، والبحار منه تحار. كم حسنت مقطّعاته على مرّ الجديدين، وكم أعانت مرارة مقياسه على الغرو من بلاد سيس (1) على العمودين (2) . أتمّ الله لطفه في الإتيان به على التّدريج، وأجراه بالرّحمة إلى نقص العيون بالتفرّج والقلب بالتفريج، فأقل جيشه بمواكبه، وجاء يطاعن الجدب بالصواري من مراكبه، ويصافف لجاجة الجسور في بيداء لججه، ويثاقف القحط بالتراس من بركه والسّيوف من خلجه.
ولمّا تكامل إيابه، وصحّ في ديوان الفلاح والفلاحة حسابه، وأظهر ما عنده من ذخائر التيسير وودائعه، ولفظ عموده حمل ذلك على أصابعه. وكانت الستّة عشر ذراعا تسمّى ماء السلطان، نزلنا وحضرنا مجلس الوفاء المعقود، واستوفينا شكر الله تعالى بفيض ما هو من زيادته محسوب ومن صدقاتنا مخرج ومن القحط مردود، وقع تيّاره بين أيدينا سطورا تفوق، وعلت يدنا الشريفة بالخلوق، وحمدنا السير كما حمد لنا السرى، وصرفناه في القرى للقرى، ولم نحضره في العام الماضي فعملنا له من الشكر شكرانا وعمل هو ما جرى.
وحضرنا إلى الخليج وإذا به أمم قد تلقّونا بالدعاء المجاب، وقرّظونا فأمرنا ماءه أن يحثو من سدّه في وجوه المدّاحين بالتراب، ومرّ يبدي المسادّ ويعيدها، ويزور منازل القاهرة ويعودها، وإذا سئل عن أرض الطبّالة، قال: جننّا بليلى، وعن خلجها، وهي جنّت بغيرنا. وعن بركة الفيل (3) قال: وأخرى بنا مجنونة لا نريدها. وما برح حتّى تعوّض عن القيعان البقيعة، من المراكب بالسرر المرفوعة، ومن الأراضي المحروثة، من جوانب الأدرب بالزرابيّ المبثوثة.
وانقضى هذا اليوم عن سرور لمثله فليحمد الحامدون، وأصبحت مصر جنّة فيها
(1) سيس: لم تذكر في معجم البلدان.
(2) لعلّ المقصود بذلك المسلّتان بعين شمس بالقرب من المطرية من ضواحي القاهرة. [النجوم الزاهرة: 1/ 54] .
(3) في الخطط المقريزية: 2/ 164: هذه البركة فيما بين مصر والقاهرة.