غيّرهم ما غيّرهم؛ فإذا أتاك كتابي، فاخطب الناس، وحضّهم على قتال عدوّهم، ورغّبهم في الصبر والنيّة، وقدّم أولئك الأربعة في صدور الناس، ومر الناس جميعا أن يكون لهم صدمة كصدمة رجل واحد، وليكن ذلك عند الزوال يوم الجمعة، فإنّها ساعة تنزل الرحمة فيها، ووقت الإجابة، وليعجّ الناس إلى الله، ويسألوه النصر على عدوّهم.
فلما أتى عمرا الكتاب، جمع الناس، وقرأ عليهم كتاب عمر، ثمّ دعا أولئك النفر، فقدّمهم أمام الناس، وأمر الناس أن يتطهّروا، ويصلّوا ركعتين، ثمّ رغبوا إلى الله تعالى، ويسألوه النصر على عدوّهم، ففعلوا ففتح الله عليهم.
قال ابن عبد الحكم: حدّثنا أبي، قال: لمّا أبطأ على عمرو بن العاص فتح الإسكندريّة، استلقى على ظهره، ثمّ جلس فقال: إنّي فكّرت في هذا الأمر؛ فإنّه لا يصلح آخره إلا من أصلح أوّله ـ يريد الأنصار ـ فدعا عبادة بن الصامت، فعقد له، ففتح الله على يديه الإسكندرية من يومهم ذلك.
قال ابن عبد الحكم: وحدّثنا عبد الملك بن مسلمة، عن مالك بن أنس، أن مصر فتحت سنة عشرين (1) .
قال: وحدّثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، قال: لما هزم الله الرّوم، وفتح الإسكندرية، وهرب الروم في البرّ والبحر، خلّف عمرو بن العاص بالإسكندرية ألف رجل من أصحابه، ومضى عمرو ومن معه في طلب من هرب من الروم في البرّ، فرجع من كان هرب من الروم في البحر إلى الإسكندرية، فقتلوا من كان فيها من المسلمين إلّا من هرب منهم. وبلغ ذلك عمرو بن العاص، فكرّ راجعا، ففتحها وأقام بها، وكتب إلى عمر بن الخطاب: إنّ الله قد فتح علينا الإسكندرية عنوة بغير عقد ولا عهد. فكتب إليه عمر بن الخطاب يقبّح رأيه، ويأمره ألّا يجاوزها.
قال: وحدّثنا هانئ بن المتوكّل، حدّثنا حزم بن إسماعيل المعافريّ، قال: قتل من المسلمين من حين كان من أمر الإسكندرية ما كان إلى أن فتحت عنوة اثنان وعشرون رجلا.
وحدّثنا عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، قال: بعث عمرو بن العاص معاوية بن حديج وافدا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بشيرا له بالفتح، فقال له معاوية: ألا
(1) في الكامل لابن الأثير 2/ 394: وقيل: فتحت الإسكندرية سنة خمس وعشرين، وقيل: فتحت مصر سنة ستّ عشرة في ربيع الأول.