3 -نسخ الحكم دون التلاوة:
وأما الدليل على وقوعه:
فقد نسخ حكم قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ... } وبقيت تلاوتها، وذلك أنهم كانوا في صدر الإسلام مخيرين بين أن يصوموا، وبين أن يفطروا، ويطعموا مسكينًا عن كل يوم، فنسخ ذلك التخيير بتعيين الصوم للقادر عليه بقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ... } وبقيت الرخصة في حق العاجز عن الصوم، لكبر، أو مرض، أو حمل، أو رضاع. [1]
ومن أمثلة هذا النوع أيضًا قوله تعالى: ... {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ .... } فقد نسخها قوله تعالى ... (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا .. ) ... ## ونسخ لفظ الآية دون حكمها، وكذلك نسخ حكمها دون لفظها، و نسخهما معًا. هو مما ذهب إليه جمهور العلماء. ... فالعقل لا يمنع من ذلك كله، أضف إلى ذلك القاعدة المعروفة التي تنص على أن""الوقوع دليل الجواز""... قال الطوفي:"اللفظ والحكم عبادتان متفاصلان، أي تنفصل إحداهما في التعبد بها عن الأخرى فعلًا، فجاز نسخ إحداهما دون الأخرى، كسائر العبادات المتفاصلة."
وبيان تفاصل اللفظ والمعنى: هو أن اللفظ متعبّد بتلاوته، والحكم متعبد بامتثاله، وهذا هو مرادنا بتفاصلهما، لا أن إحداهما يمكن انفصاله عن الآخر حسًّا. [2] .
(1) روى ابن جرير الطبري"2752"وأبو داود"8/ 23"والبيهقي"4/ 230"عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال:"كان الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة وهما يطيقان الصوم، رخّص لهما أن يفطرا إن شاءا، ويطعما لكل يوم مسكينًا، ثم نسخ بعد ذلك بقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ... } وثبت ذلك للشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم، وللحبلى والمرضع إذا خافتا، وإسناده صحيح."
قال الشوكاني:
"وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية، هل هي محكمة أو منسوخة، فقيل: إنها منسوخة، وإنما كانت رخصة عند ابتداء فرض الصيام، لأنه شق عليهم، فكان من أطعم كل يوم مسكينًا ترك الصوم، وهو يطيقه، ثم نسخ ذلك، وهذا قول الجمهور."
(2) شرح المختصر"2/ 273"