قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: (كان أصحاب ابن مسعود - رضي الله عنه - إذا مروا بقوم يرون منهم ما يكرهون يقولون: مهلًا رحمكم الله) [1] .
وقد يحتاج الناهي عن المنكر إلى الغلظة في الإنكار ورفع الصوت بالإنكار حتى يرتدع المرتكب للمنكر، وذلك بحسب المصالح والمفاسد المترتبة على الإنكار.
قال الحليمي [2] رحمه الله: (وينبغي أن يكون الآمر بالمعروف مميزًا، يرفق في مواضع الرفق، ويعنف في مواضع العنف، ويكلم كل طبقة بما يعلم أنه أليق بهم وأنجع فيهم، ولا يخاطب أحدًا بفضل من الكلام لا يحتاج إليه فينفره بذلك من قبول موعظته، ولا يدخل عليه مدخلًا يصير سببًا لرد نصيحته، وكما لا ينبغي لمن يقوم بهذا الأمر أن يعنف في موضع الرفق فكذلك لا ينبغي له أن يرفق في موضع التعنيف لئلا يستخف قدره ويقضي أمره) [3] .
وقد دلت السنة على استخدام الغلظة في الإنكار كإظهار الغضب ورفع الصوت بالإنكار حتى ينزجر الناس عن فعل المنكر ويكفون، فعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: تخلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر سافرناه، فأدركنا وقد أرهقنا الصلاة، صلاة العصر، ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى
(1) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للخلال، أثر (34) (ص 35) .
صلى بالإمام أحمد يومًا إمام فكان إذا سجد جمع ثوبه بيده اليسرى، قال الراوي: فلما صلينا قال لي وخفض من صوته: (قال النبي - صلى الله عليه وسلم: إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يكف شعرًا ولا ثوبًا) فلما قمنا قال لي الإمام: أي شيء كان يقول لك؟ قلت: قال لي: كذا وكذا وما أحسب المعنى إلا لك. انظر: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للخلال أثر (36) (ص 35) .
(2) أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم الحليمي البخاري الجرجاني، القاضي، الشافعي، رئيس المحدثين والمتكلمين والشافعيين بما وراء النهر، كان متفننا، سيال الذهن، له المنهاج في شعب الإيمان، مات سنة 403 ه.
سير أعلام النبلاء (17/ 231) طبقات الشافعية الكبرى (4/ 333) طبقات الشافعية لابن قاضى شهبة (1/ 178) .
(3) المنهاج في شعب الإيمان لأبي عبدالله الحسين الحليمي (3/ 218) .