دولة الإسلام، وظل فرض الهجرة إلى المدينة قائما حتى فتح مكة، ثم ظلت فريضة الهجرة على كل مسلم يقيم بين الكافرين، فتميزت الديار بذلك إلى دار الإسلام وهى مجتمع المسلمين وموضع سلطانهم وحكمهم، ودار الكفر وهى مجتمع الكافرين وموضع سلطانهم وحكمهم، ثم فرض الله على المؤمنين قتال الكفار إلى قيام الساعة فسميت دارهم أيضا دار الحرب.)، و هذا التقسيم أصيل مبنى على كتاب الله و سنة رسوله صلى الله عليه و سلم:
فمن كتاب الله يقول تعالى {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} قال ابن كثير رحمه الله: (أي سكنوا دار الهجرة من قبل المهاجرين وآمنوا قبل كثير منهم) .
وقال تعالى {قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ وقال سبحانه وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ} والإضافة - إضافة القرية والأرض إلى ضمير المتكلمين (نا) - (أرضنا، قريتنا) هي إضافة تملك، أي أرض الكافرين وقرية الكافرين وهذا يعني جريان أحكامهم عليها وتحكمهم فيها بالأمر والنهي والسلطان والنفوذ وهذه هي صفة دار الكفر.
وأخرج البخاري عن عبيد الله بن عبد الله أن عبد الله بن عباس أخبره أن عبد الرحمن بن عوف رجع إلى أهله وهو بمنى، في آخر حجة حجها عمر، فوجدني، فقال عبد الرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، وإني أرى أن تمهل حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة والسلامة، وتخلص لأهل الفقه وأشراف الناس وذوي رأيهم، قال عمر:"لأقومنَّ في أول مقام أقومه بالمدينة"
وأخرج النسائي رحمه الله بإسناد صحيح عن جابر بن زيد قال: قال ابن عباس:"إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبا بكرٍ، وعمر كانوا من المهاجرين لأنهم هجروا المشركين، وكان من الأنصار مهاجرون، لأن المدينة كانت دار شرك، فجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلةَ العقبة".
وأخرج البخاري عن أبي هريرة في قصة هجرته قال: لما قدِمتُ على النبي قلت في الطريق:
يا ليلةً من طولها وعَنَائِها ... على أنها من دارةِ الكفر نَجَّت
قال: وأبَق مني غلامٌ لي في الطريق، قال فلما قدمت على النبي فبايعته، فبينا أنا عنده إذ طَلع الغلام، فقال لي رسول الله: يا أبا هريرة، هذا غلامك. فقلت: هو حُرٌّ لوجه الله، فأعتقته).