إخواني
تعرفون ما يتعلل به أنصار هذه المادة , و ما يبررون به ضرب الذلة على المسلمين بها , إذ يزعمون أن من يسلم في هذه الحال إنما يسلم فرارًا من حكم يصدر عليه أو يخشى صدوره , أو هربًا من زوجة نغصت عليه عيشه أو نغص عليها عيشه أو زوجة فارك تبغض زوجها وتريد أن تصل بالإسلام إلى الخروج من عصمته.
وأنا أسلم لهم كل هذا و لا أجادل فيه. و لكنهم نسوا أن الإسلام إنما جاء بالرأفة والرخص للناس , و أنه رغبهم في الدخول فيه، بما سنّ لهم من شرائع تخفف عنهم مما أرهقوا به , يقول الله تعالى في سورة الأعراف: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَامُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) . و فاتهم أن من تيسير الإسلام أن يقبل التظاهر بالدخول فيه"والله يتولى سرائرهم". و قد أنكر رسول الله صلى الله عليه و سلم على من قتل رجلًا في الحرب بعد أن نطق بالشهادتين مستعيذًا من السيف فقال:"هلا شققت عن قلبه؟". وأن الإسلام دين عزة و غلبة و قوة , و أنه يحمي من لاذ بحماه أن يعتدي عليه أحد , حتى إن أحقر المسلمين شأنًا إذا حمى شخصًا في الحرب وجب على المسلمين جميعًا حمايته , كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:"ويسعى بذمتهم أدناهم". و حتى إن والي مصر شكا إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز نقص جباية المال بكثرة دخول الذميين في الإسلام فرارًا من الجزية , و كأنه يرجو أن يأذن له عمر ببقاء الجزية عليهم , إذ كان يرى أن إسلامهم كان حيلة ألحقت الضرر بخزينة الدولة , فما كان جواب عمر إلا أن قال له:"إن الله بعث محمدًا هاديًا ولم يبعثه جابيًا". وحتى إن رجلًا شكا إلى الفاروق عمر بن الخطاب أنه أسلم و الجزية تؤخذ منه, فقال عمر: لعلك أسلمت متعوذًا؟ فقال: أما في الإسلام ما يعيذني؟ قال: بلى , ثم أمر أن لا تؤخذ منه الجزية.
ونسوا من معنى الوطنية, و من العزة القومية الإسلامية أن أية أمة من أمم الأرض إنما يحكم فيها بشريعة أكثريتها, و أن الأقليات لا تخرج في التشريع عن حكم الأكثرية أبدًا. و إنما كانت هذه الأقليات في بلادنا لها حكم دينها بما أذن الله للمسلمين أن يدعوهم و ما يدينون , زيادة في العزة و الظفر , لا خنوعًا ولا ذلًا. أفينتهي هذا التشريع الإسلامي العلاي إلى أن يجعل في بلادنا سببًا لذلة المسلمين, و امتهانًا لكرامة الإسلام؟!