فهرس الكتاب

الصفحة 226 من 464

وسأتناول اليوم واحدًا من لوازم كلمة التوحيد وواحدًا من أهمّ المفاهيم التي غُيّبت عن حياة الناس اليوم، وهو من أهم لوازم كلمة التوحيد، وهو موضوع: الولاء والبراء. وهو كما يقول القحطاني في كتابه (الولاء والبراء) :"إن الولاء والبراء هما الصورة الفعلية للتطبيق الواقعي لهذه العقيدة، وهو مفهوم ضخم في حسّ المسلم بمقدار ضخامة وعظمة هذه العقيدة. ولن تتحقّق كلمة التوحيد في الأرض إلا بتحقيق الولاء لمن يستحقّ الولاء والبراء ممن يستحقّ البراء". اهـ

وقد بيّن الله تعالى أن أعظم من قام بتحرير الولاء والبراء لله رب العالمين هو إبراهيم الخليل -عليه الصلاة والسلام-؛ ولهذا فقد أمر الله نبيّه -صلى الله عليه وسلم- باتباع ملّة إبراهيم فقال: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} . وقال عن إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} .

وقد جاء على الناس زمان ضربوا فيه أروع الأمثلة على تحرير الولاء والبراء وفق شريعة رب العالمين؛ ذلك هو جيل الصحابة؛ فقتل الولد أباه، والأخ أخاه، والقريب قريبه، وتركت الزوجة زوجها وقبيلتها لله رب العالمين؛ فقتل أبو عبيدة -رضي الله عنه- أباه، وقتل عمر خاله العاص بن وائل، وغيرها من الأمثلة. بل إن أمّ المؤمنين أمّ حبيبة -رضي الله عنها- عندما دخل عليها أبوها أبو سفيان -رضي الله عنه- وكان مشركًا، فأراد الجلوس على فراش رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رفعت الفراش من تحته، وقالت: ما كان لك أن تجلس في مكان يجلس فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وذلك لأن هذا الجيل كما يقول سيد -رحمه الله- في كتابه (معالم في الطريق) :"لقد كان تلقّي صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لهذه العقيدة أشبه ما يكون بتلقّي الجندي في الميدان الأمر اليومي ليعمل به فور تلقّيه، ولذلك لم يكن أحدهم ليستكثر منه في الجلسة الواحدة؛ لأنه كان يحسّ أنه إنما يستكثر من واجبات وتكاليف يجعلها على عاتقه، وكان يكتفي بعشر آيات يحفظها ويعمل بها، كما جاء في حديث ابن مسعود -رضي الله عنه-". انتهى كلامه رحمه الله.

ولكن خلف من بعد هذه الأجيالِ أجيالٌ ركنوا إلى الدنيا ورضوا بأن يعيشوا كالدواجن وتركوا الجهاد في سبيل الله! وغُيّبت عنهم معظم المفاهيم الشرعية، ومنها مفهوم الولاء والبراء الذي نحن بصدده. وكما قال الرسول -عليه الصلاة والسلام-: (إذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت