ومَن راجع سيرة سلفنا الصالح وجدهم يراعون ذلك؛ فسمعوا لأُناسٍ لا يعدّونهم من أهل السنة والجماعة - أتْباع السلف الصالح - وإنما ارتضوا دينهم فقط وإن لم يرتضوا منهجهم أو بعض تفاصيل اعتقادهم.
ولا يتوهمنّ أحد أننا نعني هنا إسقاط أهمية منهج أهل السنة والجماعة - أتْباع السلف الصالح - بل هذا أمر يجب السعي إليه وأنه المطلوب توفيره والوصول إليه، لكن نحن بصدد بيان إنصاف أهل السنة والجماعة مع من خالفهم في المنهج، مع بيان حرصهم على السمع والطاعة أكثر ممن سواهم، وأنهم مستعدّون حتى إلى مثل هذا المستوى، في الوقت الذي لا يقدم مَن سواهم ولا قريبًا من هذا.
فالأمر المهم مراعاته هو؛ مَن يُقبل دينه، وإن لم تكن جميع مفردات اعتقاده مقبولة، ولا حاجة إلى ذكر أمثلة من تاريخ المسلمين على ذلك كي لا نطيل الكلام بعد أن توضّح إن شاء الله.
ولا شك أن اعتبار هذا العنصر كافٍ لإقصاء كل الجماعات المسلحة التي لا حظّ لها في دين الإسلام من شيء - كالعلمانيين والقوميين والبعثيين - وإن اشتركوا معنا في العدو أو حتى في بعض الأهداف ولو في وقت من الأوقات.
-العنصر الثاني المطلوب مراعاته في التوحّد؛ هو حصول النكاية بالعدو بالاسم الذي نتوحّد تحت لوائه:
وهذا لا شك في كونه مِن أهم هذه العناصر وأولاها بالمراعاة، ومن أجله تجاوز الشرع عن كثير من أطراف العناصر الأخرى، فديننا يكتفي في ما سوى هذا العنصر من العناصر بالحد الأدنى، فيفرض الحدّ الأدنى للقبول في جميعها، حتى إذا جاء ما نحن بصدده كان هو العنصر الحاكم على ما سواه.
إذ أنّ مِن أعظم الغايات مِن توحّدنا؛ هي أن يهابنا العدو، وأن نُحدث في نفسه رعبًا عظيمًا، وهو أمر اختص الله تعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث: (نُصرت بالرعب مسيرة شهر) ، فتوحّدنا لا يحقق الرعب في قلوب أعدائنا بمجرد أننا أصبحنا جميعًا، بل وأيضاّ لأننا أصبحنا تحت اسم هو بذاته يثير الرعب والفزع في قلوب أعدائنا لِما رأوا منه.
ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤمّر على سراياه أناسًا، وإن كانوا في الفضل والمكانة - وحتى الإيمان - هم دون من معهم في السرية، لكن لأنهم بأسمائهم وسمعتهم في القتال يثيرون الرعب في قلوب الأعداء، وهذا هو معنى ما نحن بصدده في العنصر الثاني.