فهرس الكتاب

الصفحة 423 من 464

هذا وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الدور فقال عليه الصلاة والسلام لكعب بن عجرة"أعاذك الله من إمارة السفهاء قال وما إمارة السفهاء قال: أمراء يكونون بعدي لا يهتدون بهديي ولا يستنون بسنتي فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم، فأولئك ليسوا مني ولست منهم، ولا يردون على حوضي ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فأولئك مني وأنا منهم وسيردون على حوضي. يا كعب بن عجرة الصيام جنة والصدقة تطفئ الخطيئة، والصلاة قربان أو قال برهان يا كعب بن عجرة الناس غاديان، فمبتاع نفسه فمعتقها أو بائع نفسه فموبقها".

وحكام هذا الزمان هم الذين تركوا سنة الرسول وابتعدوا عن هديه، فهذه الموبقات تنتشر، والمحرمات تنتهك، والربا يباح، والظلم يعم، وحمى الله يستباح وصار المتحكمون في رقاب الناس حكاما تافهين، كما أخبر عنهم الرسول فقال:"سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين وينطق فيها الرويبضة قيل وما الرويبضة؟ قال الرجل التافه ينطق في أمر العامة".

وانحدرت الأمة في هذا الدور فضعفت وذلت واستولى عليها اليأس، حتى غدت لا تثق بنفسها ولا بحكامها ووقف مشدوهة خرساء بكماء، أمام ثلة من اليهود. وليس غريبا أن يحدث هذا. قال عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه"من عرفني وعصاني سلطت عليه من لا يعرفني ولا يخشاني"فجاء بيهود ليسلطهم علينا، لا لأنهم كريمون على الله، بل كما قال لا يعرفونني ليكون تسلطهم خاليا من الرحمة بعيدا عن الحق، شديدا عنيفا، فيه إذلال وإخضاع، وليكون عقابا لنا في الدنيا وذلا. وسنظل نخافهم ونخاف غيرهم ما بقينا بعيدين عن سنة النبي وهديه لقوله عليه الصلاة والسلام ما معناه"تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنتي فإن أنتم تركتم سنتي سلط الله عليكم من لا يخافه ولا يرحمكم فلا ينزع خوفه من قلوبكم حتى تعودوا لسنتي".

وإذا كان لا خلاص لنا إلا بالعودة إلى سنته فلماذا القعود إذن؟ أما آن الأوان للمسلمين أن يفيقوا من غفوتهم، وينتبهوا من سباتهم، فينفضوا غبار الذل عن وجوههم، ويستهينوا بوعيد الكافرين الظالمين لوعد ربهم، فيقبلون على الكتاب والسنة يحيونهما بالتمسك بما جاء فيهما، وتعلمهما وتعليمهما للناس وحثهم على العمل بهما، فقد أمرنا رسولنا الكريم الذي لا ينطق عن الهوى فقال:"إن السلطان والقرآن سيفترقان، فلا تفارقوا الكتاب، إلا أنه سيكون عليكم أمراء مضلون، يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم، إن عصيتموهم قتلوكم وإن أطعتموهم أضلوكم، قالوا يا رسول الله كيف نصنع؟ قال كما صنع أصحاب عيسى نشروا بالمناشير وحملوا على الخشب، موت في طاعة الله خير من حياة في معصيته".

لذلك لا بد من العمل مهما كلف الثمن، لأن الدور الذي أخبرنا الرسول عنه آت لا محالة، وهو دور يبشر العاملين بأن عزة الإسلام ستكون على أيدي حاملي الدعوة لاستئناف الحياة الإسلامية، بإقامة الخلافة التي وصفها الرسول الله صلى الله عليه وسلم، بأنها على منهاج النبوة، تعمل في الناس بسنة الرسول، وأخبرنا عنها أنها تأتي بعد هذا الدور الذي نحن فيه، وهو دور الحكم الجبري المتسلط. ولكن دون ذلك مشقات، ويخبر في هذا الدور أن قسما من الناس سيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويتعرضون للأذى، ويصل الحال بالمسلمين إلى ما لا يحسدون عليه فيقول عليه السلام:"ليت شعري كيف أمتي بعدي حين يتبختر رجالهم وتمرح نساؤهم، ليت شعري كيف هم حتى يصيرون صفين:"صفا ناصبي نحورهم في سبيل الله وصفا عمالا لغير الله"."

فالناس فريقان: فريق نصبوا نحورهم في سبيل الله، فاستهدفوا بنحورهم الأذى في سبيل الوقوف إلى جانب الطريق، ومعاداة الباطل، وهؤلاء الذين يريدون أن يجمعوا بين عز الدنيا والآخرة، عرفوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت