واجباتهم وأدركوا مسؤولياتهم، فأهمهم أمر دينهم وأمر أمتهم إذ أن الحق الذي يتحملون الأذى في سبيله، إما أن يكون خالصا لله، وإما أن يكون لعباد الله. ابتاعوا أنفسهم فأعتقوها وباعوا الدنيا فلم يغتروا بها، شمروا عن ساعد الجد وأقبلوا على الله، فاستعانوا بكتابه واستهانوا بوعيد الظالمين لوعد الله، وفضلوا نعيم الجنة على متاع الحياة، فأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، لا يهمهم من خالفهم، يصبرون على اللاؤاء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك، أبوا أن يكونوا من ميتي الأحياء الذين لم ينكروا المنكر بألسنتهم ولا بقلوبهم.
وفريق انصرف إلى الدنيا يريد أن يجمع من خيراتها ويتمتع بآلائها، لا يهمه إلا نفسه، غافل عن آخرته، أغرته المظاهر الزائفة، يفتخر بما يجمع، ويعتز بما يملك، يقول الرسول فيه وفي أمثاله"من أصبح وهمه غير الله فليس من الله، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها". فهو لا يعرف للحياة معنى إلا معاني المتع الجسدية، ولا يقيم لعمل وزنا إلا من خلال المنافع المادية، فإن أصابه منها خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين. هؤلاء هم العمال لغير الله، يعملون لغيرهم ليصيبوا حظا وافرا، فضلوا متاع الدنيا الزائل على نعيم الجنة الدائم، فباعوا آخرتهم بدنيا غيرهم، فهم وأمراؤهم هم الأخسرون أعمالا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
أما متى ينتهي هذا الدور فلا يعلم به إلا الله ذلك أننا نستطيع من فهمنا للحديث أن نعرف الدور الذي نحن فيه. أما متى ينتهي ومتى يبدأ الدور الذي يليه، فهو ليس في مقدورنا، ولكننا نستطيع أن نعمل لنعجل في إنهاء هذا الدور الذي طال ليله، وثقل ظله، نستلهم العزم من رب العالمين، ونطمع في رضوانه فهو الذي يجزي العاملين. قال عليه الصلاة والسلام:"إذا ظهر فيكم السكرتان: سكرة الجهل، وسكرة حب العيش وجاهدوا في سبيل الله، فالقائمون يومئذ بكتاب الله سرا وعلانية كالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار".
إن التعجيل في إنهاء هذا الدور يتوقف على حمل الدعوة، لأنهم هم الذين يعملون للتغيير، فلو علموا ما أعد الله لهم من الثواب، لما ناموا ليلهم ولا سكنوا نهارهم، ولو اطلعوا على أهوال يوم القيامة لتمنوا أنهم ما فرطوا في ساعة من أعمارهم، ولا تخاذلوا في مواجهة ما يلاقونه في سبيل النهوض بأمتهم.
إن حامل الدعوة يجب أن يكون عزيزا، يحمل نفسا أبية لا تعرف الذل ولا تنحني للوهن، ينظر إلى خصمه من عل، لأنه يستمد القوة من عزيز حكيم، ينظر إلى زخارف الدنيا وكأنها أوراق الخريف تتطاير في الهواء، ويحتقر أبهة الكافر وعظمته، لأن الكافر مخدوع مغرور بهذه العظمة، يقنع بالقليل من المتاع فلا يذل نفسه في طلب الكثير. يستعلي على الدنيا بإيمانه يحس أنه على الحق، حتى وإن لقي العنت الشديد، يتحمل الفتنة، فلا يدع لها مجالا للدخول إلى نفسه لأنه يؤمن بقول ربه (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) .
يعرف أن حمله الدعوة يكلفه غاليا، فقد يصاب في ماله، فيطرد من عمله إن كان ذا مهنة، أو يسجن فتعطل تجارته إن كان تاجرا، أو تعطل أعمال فلاحته إن كان فلاحا، أو يلاحق ممن يقاومون دعوته، فيبقى دائما في خوف من شرورهم. وقد يصاب في نفسه فتزهق حياته، فهو يوم حمل الحق يعرف قوة خصومه المادية، وضعف ما لديه من الوسائل إلا قوة الإيمان بالحق ذلك السند والمصدر الذي منه البداية وإليه النهاية، فهو يتوقع هذا الامتحان منذ اطلع على قوله تعالى: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون) .