ويعرف من سيرة الهداة المهديين الذين تعرضوا للفتنة وليس في أيديهم ما يدفعون به الأذى عن أنفسهم إلا أن يستسلموا لقدر ربهم، فيحسنون الاعتماد والتوكل عليه ولسان حالهم يقول (وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون) .
وهو منذ أن نطق بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، جعل ولاءه لله ولرسوله ولمن يرضاه الله، وخلع كل ولاء لا صلة له بالله، فكانت شهادته بمثابة ثورة على كل من لا يدين بالعبودية لله، ولا يحكم بما أنزل الله على رسوله، فالشهادة بهذا المفهوم إذا وضعت في كفة حسنات المؤمن رجحت بكفة سيئاته مهما كثرت تلك السيئات، وهو إذن يحمل في نفسه لاحقا لا يدحضه باطل، وقوة لا تضعف ولا تلين.
هو مثال التضحية في سبيل الله، يرى أن الدنيا إذا قيست بالآخرة تراءت قصيرة حقيرة، فلا يضن بالحياة من أجلها، لأنه يعرف أنه وهو يغدرها يتوجه إلى خير منها (وللآخرة خير لك من الأولى) . ينظر إلى الكافرين والمفسدين في الأرض فيستعلي عليهم بإيمانه، وإن كان ضعيفا فقيرا في مظهره، وهم أقوياء أثرياء ذوو جاه وسلطان، فهم يموتون وهو يستعذب الشهادة (لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد، متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد، لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار) .
المسلم حامل دعوة أينما كان وحيثما كان، هكذا فرض عليه ربه أن يكون، يحملها وله أجر أخروي، يصدق في حملها، ويصبر عل ما يصيبه من أجلها، لا ينتظر على حملها أجرا من أحد، ولا يمن بحملها على أحد، فهو يحملها لله، والله يمن عليه أن هداه لحملها والصدق في حملها يقتضي تقديمها على الأنفس والأهل والمال والبلاد لقوله تعالى: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين) .
إن مصلحة الدعوة يجب أن تظل فوق مصالح الدعاة وفوق سلامة الأنفس والأموال، ليظل الدعاة مخلصين لله في نياتهم وأعمالهم، لتتضاعف بذلك حسناتهم فلا يثنيهم ظلم الظالمين، ولا يقعدهم استبطاء النصر فقد جاء الصحابة يشكون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال:"قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيوضع فيها، ثم يؤتي بمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله تعالى هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت فلا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون".
والصدقي في حملها يقتضي من الداعية ما عليه من واجب، دون الالتفات إلى كثرة المستجيبين لها أو قلتهم، لأن أمر هدايتهم أو غوايتهم ليس في مقدوره (قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا، وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا) وقال تعالى (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون، فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين) . ودون الاكتراث إلى عنف المقاومين أو تساهلهم، فقد أتي بخبيب، ليصلب على مرأى من قريش ومسمع من قبيلته، وعلى أثر ما حل بزيد بن الدثنة من قبله، فلم يستدر عطف الطغاة الظالمين، ولم يشك إلا إلى رب العالمين حيث قال: