فهرس الكتاب

الصفحة 426 من 464

قبائلهم واستجمعوا كل مجمع ... أقول وقد جمع الأحزاب حولي وألبوا

وقربت من جذع طويل ممنع ... وقد جمعوا أبناءهم ونساءهم

وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي ... إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي

ولكن حذار حجيم نار ملفع ... وما بي حذار الموت إني لميت

على أي جنب كان في الله مصرعي ... ولست أبالي حين أقتل مسلما

ولا جزعا أني إلى الله مرجعي ... ولست بمبد للعدو تخشعا

والصبر على حملها يقتضي إيثار العقيدة على الحياة، فها هم سحرة فرعون، بمجرد أن لامس الإيمان قلوبهم، يكفرون بفرعون ويرفضون كل زخارفه ومغرياته ويتحدون وسائل تعذيبه. قال الله تعالى يصف حوارهم مع الطاغية فرعون: (فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى، قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى، قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا، إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى) .

والصبر على العقيدة يقتضي القيام بالواجب دونما تأثر بالنتائج، لأن النتائج بيد الله، فقد يموت الداعية قبل أن يحظى بالانتصار في حياته، وقد يحصل النصر في حياته، وعلى يديه، ويقطف ثماره، وقد يحصل على يدي غيره وعلى أية حال فالثبات على العقيدة هو الانتصار، فإن كان الموت على أيدي الظالمين فقد انتصرت العقيدة على الحياة فلم تذعن لطلب المجرمين الطغاة، ونجت من الفتنة التي أرادوها لها، فحظيت برضوان الله، وهو أسمى ما يسعى إليه الدعاة. وإن مات حامل الدعوة ميتة عادية فقد ثبت على العهد والوعد.

حامل الدعوة يدعو الناس إلى الهدى فيبشرهم بالثواب، ويصدهم عن الضلال، فيحذرهم العقاب على طريقة المرسلين في دعواهم لأقوامهم. يحرص على هداية الناس وإن آذوه، يخاطبهم بالحكمة والموعظة الحسنة طالما وهو يأمل لهم الهداية. أما أولئك الطغاة الذين يصدون الناس عن دين الله، فيخاطبهم بما يليق بهم. قال تعالى: (كذبت عاد المرسلين، إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون، إني لكم رسول أمين، فاتقوا الله وأطيعون، وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين، أتبنون بكل ريع آية تعبثون، وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون، وإذا بطشتم بطشتم جبارين، فاتقوا الله وأطيعون، واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون، أمدكم بأنعام وبنين، وجنات وعيون، إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم، قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين، إن هذا إلا خلق الأولين، وما نحن بمعذبين) .

فالدعاة حينما تصفو نفوسهم، وتنعقد عزيمتهم على العمل، والتضحية، فيستعينون بكتاب الله، ويترسمون طريق رسوله، ويشمرون عن ساعد الجد، فيستهينون بوعيد عدوهم لوعد ربهم، ثم يستنصرون الله لينصرهم، ويثبت أقدامهم ويحقق لهم ما وعدهم (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) .

هذا هو السبيل لإنهاض أمة تخلفت عن ركب المدنية الجديدة، ونحيت عن مكان الصدارة بين الأمم. وهذه المسؤوليات العامة التي أوجبها الله على المسلمين فبقيامهم بها، يعودون إلى قيادة العالم من جديد ولئن استعصت عليهم بعض الأقطار في المد الإسلامي الأول فستأتيهم هذه المرة راغبة غير راهبة، لأنها اليوم في جشعها وتكالبها على المادة، تشعر بفقدان الطمأنينة فتبحث عن القيم الخلقية والإنسانية،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت