ومما يدل أيضا على خطر الاختلاف؛ ما جاء عن أبي هريرة قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتنازع في القدر، فغضب حتى أحمرَّ وجهه، حتى كأنما فُقئ في وجنتيه الرمان، فقال: (أبهذا أمرتم أم بهذا أرسلت إليكم؟! إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم عزمت عليكم ألا تتنازعوا فيه) [أخرجه الترمذي، وحسنه الألباني] .
وما زال الصحابة والتابعون ومن تبعهم بإحسان يحاربون التفرّق والاختلاف ويدعون إلى الاجتماع.
قال عمر رضي الله عنه: (لا تختلفوا، فإنكم إن اختلفتم كان مَنْ بعدكم أشد اختلافا) .
وقال ابن مسعود رضي الله عنه لما بلغه أن عثمان رضي الله عنه عزم على إتمام الصلاة في الموسم، استرجع، ولم يُخالف عثمان، فقيل له في ذلك، فقال: (الفرقة شر) [كما جاء ذلك في الصحيح] .
ومن ذلك؛ أن الحسن بن علي رضي الله عنهما تنازل عن الخلافة - مع كثرة المؤيدين له، حتى بلغ جيشه أكثر من أربعين ألف وقيل مائة ألف - كل ذلك حقنًا لدماء المسلمين وطلبًا للاجتماع ودفعًا للاختلاف وإيثارًا لرضى الله عز وجل وزهدًا في العاجل ورغبةً في الآجل، ولم يبالِ بمَنْ عتب وغضب عليه من مؤيديه وأنصاره، حتى قال له بعضهم: (السلام عليك يا مُذلَّ المؤمنين) ، فقال: (لا تقل ذلك، فإني لم أُذلَّ المؤمنين، وكرهت أن أقتلكم في طلب الملك) .
وعنه أنه قال: (كانت جماجم العرب بيديَّ، يُحاربون مَنْ حاربت ويُسالمون مَنْ سالمت، وتركتها ابتغاء وجه الله وحقن دماء المسلمين) أهـ.
فجمع الله شمل المسلمين على يديه، حتى سُمي ذلك العام؛"عام الجماعة".
وحصلت له رضي الله عنه بذلك سعادة الدارين.
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يُصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) [أخرجه البخاري] .
بل إن الله من كرمه وجوده؛ جعل في عقبه مَنْ يسود ويتولى، وهو محمد بن عبد الله المهدي، الذي يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما مُلئت ظلمًا وجورا - كما رجح ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله -