وقال شيخ الإسلام رحمه الله: (اجتماع الأمة على الأمر المرجوح، أفضل من تفرقهم في الراجح) .
ولما سُئل عن رجل يرى القنوت وجماعته لا يرونه، قال: (يتركه، وينقلب في حقه المرجوح راجحا) .
وقال ابن القيم رحمه الله لما ذمَّ التفرق والاختلاف: (والمقصود أن الاختلاف منافٍ لما بُعث به رسول صلى الله عليه وسلم) .
وروى الثقات أن الشيخ عبد الله أبا بطين رحمه الله لما قدم أحد المناطق التي يتولى قضائها أحد تلامذته، وكانت الليلة التي قدم فيها صبيحتها يوم الشك، وكان القاضي لهذه المنطقة يرى صيام يوم الشك ويأمر أهل البلد بصيامه، وأما الشيخ عبد الله أبا بطين رحمه الله فله رسالة بتحريم صيام هذا اليوم، فأصبح صائما وأصبح القاضي لهذا البلد مُفطرا، فأُحضر ماءً وعُرض على الشيخ عبد الله، فقال: (إني صائم) ، فقال له القاضي: (سبحان الله نحن قد أفطرنا جمعًا للكلمة) ، فقال الشيخ عبد الله: (ونحن قد صمنا جمعًا للكلمة) ، فرحمهم الله ما أكبر عقولهم وما أحرصهم على الألفة ودفع الفرقة وما أعمق علمهم بمثل هذه المسائل التي يسوغ فيها الاجتهاد.
وقال الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف رحمه الله في خلاف جرى في وقته:(فاعقدوا لذلك محضرا، ولو طال منا ومن بعضكم لأجله السفرا، للنظر فيما يُصلح الإسلام وتقوم به الحجة، تسدوا بذلك عنكم باب الفرقة، نصحًا لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، فإني والله لا إخال الجرح يندمل ولا الحية تموت إلا أن يشاء ربي شيئا، وذلك لكثرة الطلاب لهذا الأمر، فقد وقع والله بكثرتهم وأعضل البأس واحتاج العاقل للنظر فيما هو الأصلح لدينه والأرضى لربه بالاجتماع على الأسدّ فالأسدّ والأجدّ فالأجدّ والأصلح فالأصلح.
فإن الشيطان متكئ على شماله متحيل بيمينه فاتح حصنه، يدأب بين الأمة بالشحناء والعداوة عنادًا لله ولرسوله ولدينه، تأليبًا وتأنيبًا، يوسوس بالفجور ويدلي بالغرور، يزين بالزور ويمنّي أهل الفجور والشرور ويوحي إلى أوليائه بالباطل، دأبًا له منذ كان وعادة له منذ أهانه الله في سالف الأزمان، لا ينجو منه إلا مَنْ أحب الآجل وغضّ الطرف عن العاجل وقطَّ هامة عدو الله وعدو الدين بإتباع الحق والعمل به، رضي ذلك من رضيه وسخطه من سخطه، فإن لهذه الأمور غاية وخيمة وعاقبة ذميمة، آخرها الأجل المقدور وإلى الله عاقبة الأمور)أهـ.