فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 464

الْجَيْشُ الَّذِينَ يُصِيبُونَهُمْ مَا قُضِيَ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ لَاتَّكَلُوا عَلَى الْعَمَلِ"، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي هَذَا الْحَدِيثِ:"يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِيمَانِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ:"تَكُونُ أُمَّتِي فِرْقَتَيْنِ فَتَخْرُجُ مِنْ بَيْنِهِمَا مَارِقَةٌ، يَلِي قَتْلَهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ"فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ رضي الله عنه لَمَّا حَصَلَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الْحَرُورِيَّةَ. بَيَّنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ كِلَا الطَّائِفَتَيْنِ الْمُفْتَرِقَتَيْنِ مِنْ أُمَّتِهِ وَأَنَّ أَصْحَابَ عَلِيٍّ أَوْلَى بِالْحَقِّ، وَلَمْ يُحَرِّضْ إلَّا عَلَى قِتَالِ أُولَئِكَ الْمَارِقِينَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ الْإِسْلَامِ، وَفَارَقُوا الْجَمَاعَةَ، وَاسْتَحَلُّوا دِمَاءَ مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ، فَثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، أَنَّهُ يُقَاتَلُ مَنْ خَرَجَ عَنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ تَكَلَّمَ بِالشَّهَادَتَيْنِ."

وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الطَّائِفَةِ الْمُمْتَنِعَةِ، لَوْ تَرَكَتْ السُّنَّةَ الرَّاتِبَةَ كَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، هَلْ يَجُوزُ قِتَالُهَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَأَمَّا الْوَاجِبَاتُ وَالْمُحَرَّمَاتُ الظَّاهِرَةُ وَالْمُسْتَفِيضَةُ، فَيُقَاتَلُ عَلَيْهَا بِالِاتِّفَاقِ حَتَّى يَلْتَزِمُوا أَنْ يُقِيمُوا الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ، وَيُؤَدُّوا الزَّكَاةَ، وَيَصُومُوا شَهْرَ رَمَضَانَ، وَيَحُجُّوا الْبَيْتَ، وَيَلْتَزِمُوا تَرْكَ الْمُحَرَّمَاتِ مِنْ نِكَاحِ الْأَخَوَاتِ وَأَكْلِ الْخَبَائِثِ، وَالِاعْتِدَاءِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وَقِتَالُ هَؤُلَاءِ وَاجِبٌ ابْتِدَاءً، بَعْدَ بُلُوغِ دَعْوَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إلَيْهِمْ، بِهَا يُقَاتَلُونَ عَلَيْهِ. فَأَمَّا إذَا بَدَءُوا الْمُسْلِمِينَ، فَيَتَأَكَّدُ قِتَالُهُمْ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي قِتَالِ الْمُمْتَنِعِينَ مِنْ الْمُعْتَدِينَ قُطَّاعِ الطُّرُقِ. وَأَبْلَغُ الْجِهَادِ الْوَاجِبُ لِلْكُفَّارِ، وَالْمُمْتَنِعِينَ عَنْ بَعْضِ الشَّرَائِعِ، كَمَانِعِي الزَّكَاةِ وَالْخَوَارِجِ وَنَحْوِهِمْ، يَجِبُ ابْتِدَاءً وَدَفْعًا. فَإِذَا كَانَ ابْتِدَاءً، فَهُوَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، إذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ الْبَاقِينَ، وَكَانَ الْفَضْلُ لِمَنْ قَامَ بِهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَر ... الْآيَةَ} .

فَأَمَّا إذَا أَرَادَ الْعَدُوُّ الْهُجُومَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ يَصِيرُ دَفْعُهُ وَاجِبًا عَلَى الْمَقْصُودِينَ كُلِّهِمْ، وَعَلَى غَيْرِ الْمَقْصُودِينَ، لِإِعَانَتِهِمْ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تعالى: {وَإِنْ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ إلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} ، وكَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِنَصْرِ الْمُسْلِمِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الرَّجُلُ مِنْ الْمُرْتَزِقَةِ لِلْقِتَالِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَهَذَا يَجِبُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، مَعَ الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ، وَالْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ، كَمَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ، لَمَّا قَصَدَهُمْ الْعَدُوُّ عَامَ الْخَنْدَقِ وَلَمْ يَاذَنْ اللَّهُ فِي تَرْكِهِ أَحَدًا كَمَا أَذِنَ فِي تَرْكِ الْجِهَادِ ابْتِدَاءً لِطَلَبِ الْعَدُوِّ، الَّذِي قَسَّمَهُمْ فِيهِ إلَى قَاعِدٍ وَخَارِجٍ. بَلْ ذَمَّ الَّذِينَ يَسْتَاذِنُونَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم {يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلَّا فِرَارًا} . فَهَذَا دَفْعٌ عَنْ الدِّينِ وَالْحُرْمَةِ وَالْأَنْفُسِ، وَهُوَ قِتَالُ اضْطِرَارٍ، وَذَلِكَ قِتَالُ اخْتِيَارٍ ; لِلزِّيَادَةِ فِي الدِّينِ وَإِعْلَائِهِ وَلِإِرْهَابِ الْعَدُوِّ، كَغُزَاةِ تَبُوكَ وَنَحْوِهَا، فَهَذَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت