من المعلوم أن أي شيء أردنا أن نحكم عليه، وأن نناقش أبعاده، لا بد من تحديد مفهومه، وسبر أغوار اصطلاحه، سيما وأن قضيتي الاصطلاح والمفاهيم، صارتا من الأشياء المبهمة التي إذا لم تحددا تترتب عليهما أغلاط كبيرة، وربما زلات عظيمة، ومن ثم كان الفصل الأول لتحديد مفاهيم هذا البحث ومصطلحاته، واقتضى أن يكون ثلاثة مباحث، لتعدد مفاهيم البحث.
المبحث الأول: في تعريف مصطلحات البحث
المطلب الأول: في تعريف الاستدلال لغة واصطلاحا
أولا: الاستدلال في اللغة
تستعمل صيغة الاستفعال في اللغة لعدة معان؛ منها الطلب، مثل الاستغفار، والاستعانة، أي طلبهما، قال الزمخشري [1] في المفصل:"واستفعل لطلب الفعل، تقول استخفه واستعمله واستعجله إذا طلب عمله وخفته وعجلته مر مستعجلًا أي مر طالبًا ذلك من نفسه مكلفها إياه" [2] . فكأن الاستدلال هنا طلب الدليل أن أن المستدل يطلب الدليل، هذا معنى الاستفعال من ناحية الصيغة الصرفية، أما من الناحية الدلالية؛ فإنها مأخوذة من مادة دلَّ التي يقصد
(1) الزَّمَخْشَرِي (467 - 538 هـ) ،محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشريّ، جار لله، أبو القاسم: من أئمة العلم بالدين والتفسير واللغة والآداب. أشهر كتبه (الكشاف) في تفسير القرآن، و (أساس البلاغة) و (المفصل) ، انظر: الزركلي، خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس، الزركلي الدمشقي، الأعلام، ط 15، (دار العلم للملايين، 2002 م) ، ج 7/ 178.
(2) الرمخشري، محمود بن عمر بن محمد الزمخشري، المفصل، ط 1، تحقيق: علي أبو لحم،(بيروت: مكتبة الهلال
،1993)، ص 374.