وهذا التعريف اقتصر على حقيقة الاستصلاح، وهو على اختصاره في غاية الدقة والفطنة كتعاربير أبي حامد الغزالي كلها، إلا أنه لم يذكر معنى المناسبة في الاستصلاح، ولا شروط العمل به، بل كان تعريفه في المنخول أوفى بالمقصود وأكثر تحديدا وأوضح شرحا لماهية الاستصلاح، قال في المنخول:"كل معنى مناسب للحكم، مطرد في أحكام الشرع، لا يرده أصل مقطوع به، مقدم عليه، من كتاب أو سنة أو إجماع، فهو مقول به وإن لم يشهد له أصل معين" [1] . نلاحظ في هذا التعريف الشروط التي ذكرها في الاستصلاح، من مناسبة للحكم، واطراد في الأحكام الشرعية، وعدم مصادمة قطعي، من كتاب أو سنة أو إجماع، وسوف ينطلق من هذا التعريف كثير ممن كتب في شروط العمل بالاستصلاح فيما بعد.
وللغزالي تعريف آخر للمصلحة بمعناها المنفعي العام، وهو من أجمع تعاريفها بهذا المعنى، وذلك في قوله في المستصفى:"أما المصلحة فهي عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة، ولسنا نعني به ذلك، فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول"
(1) الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي، المنخول من تعليقات الأصول، ط 3، تحقيق: الدكتور محمد حسن هيتو، (بيروت: دار الفكر المعاصر، دمشق: دار الفكر، 1419 هـ - 1998 م) ، ص 465.